الحكومة الفرنسية في مهب الريح اليسار واليمين المتطرف يقرران إسقاطها عبر لائحة لوم

بعد أسابيع من النقاش البرلماني المضطرب حول ميزانية 2025 ،

انتهى المسار البرلماني باستخدام الوزير الأول ميشال بارنيه البند 49-3 من الدستور لتمرير قانون ميزانية الضمان الاجتماعي بعد رفضها من قبل الكتل البرلمانية المعارضة. وكان بارنييه، الممثل لحزب الجمهوريين في الكتلة الحاكمة، والذي جاء في المرتبة الأخيرة في الانتخابات التشريعية السابقة لأوانها، قد قرر اللجوء للجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ لإضفاء مشروعية على حكومته التي تعتبرها أحزاب المعارضة غير شرعية.
وكما كان منتظرا، فشل الوزير الأول في تحقيق توافق حول ميزانية الدولة. وفي حالة عدم المصادقة على ميزانية قبل 29 ديسمبر سوف تجد الدولة نفسها مهددة بالإفلاس بعد تفاقم المديونية التي وصلت إلى 3150 مليار يورو. وكان الوزير الأول قد اقترح على النواب عملية تقشف قدرت بقيمة 60 مليار يورو تحذف من مصاريف الدولة والصناديق الاجتماعية لإرضاء السوق المالية الدولية خاصة أن نسب الفائدة في الاقتراض وصلت بالنسبة لفرنسا إلى 3،2%، وهي في المرتبة الثانية بعد اليونان.
لائحتا لوم من اليسار واليمين المتطرف
مباشرة بعد إعلان ميشال بارنيه تمرير ميزانية الضمان الاجتماعي باستخدام بند 49-3 الذي يسمح بالموافقة على القانون دون مناقشته من قبل النواب، أعلنت "الجبهة الشعبية الجديدة" (تجمع اليسار) تقديم لائحة لوم وقعها 185 نائبا يساريا في الجمعية الوطنية. وقدم "التجمع الوطني" (يمين متطرف) وحليفه "اتحاد الجمهوريين" لائحة لوم ثانية وقعها 140 نائبا. وأعلنت زعيمة التجمع مارين لوبان أن "بارنيه لم يرغب في الاستجابة ل 11 مليون ناخب للتجمع لوطني وقال على الجميع أن يتحملوا مسؤوليتهم وها نحن نتحمل مسؤوليتنا."
من ناحيته، أعلن جون لوك ميلونشون في تغريدة على شبكة "إكس" أن "كل المناورات لإنقاذ حكومة بارنيه قد فشلت. سوف تسقط الحكومة. ماكرون هو المسؤول الوحيد على الأزمة المالية والسياسية ويجب عليه أن يرحل لإعادة الكلمة لأصوات الفرنسيين." في الشق المقابل، أعلنت الكتل البرلمانية المتحدة في الشق الحكومي في بيان أن "التصويت لفائدة لائحة اللوم يدخل البلاد في المجهول". أما لوران فوكيه زعيم حزب الجمهوريين المتحالف مع التحالف الرئاسي فقد غرد على شبكة "إكس" قائلا: "كل واحد الآن أمام مسؤوليته: المصلحة العامة أو الفوضى.
وضع مالي واقتصادي كارثي
جذور الأزمة الحالية متأتية من قرار الرئيس إيمانويل ماكرون حل البرلمان ودعوة الناخبين لتوضيح رأيهم عبر انتخابات تشريعية سابقة لأوانها أسفرت عن تشكيلة برلمانية فاقدة لأغلبية مع هزيمة واضحة للائتلاف الحزبي المساند لماكرون ولحزب مارين لوبان المتطرف. وبالرغم من حصول اليسار الموحد على المرتبة الأولى، قرر إيمانويل ماكرون عدم تكليفه بتشكيل الحكومة، بل اسند المهمة إلى ميشال بارنيه الممثل لحزب الجمهوريين الذي جاء في المرتبة الأخيرة في قائمة الأحزاب. وضع رفضه تجمع اليسار من اليوم الأول وعمل على إفشاله. في نفس الوقت حاول ميشال بارنيه مغازلة اليمين المتطرف خشية أن يصوت ضده ويسقط حكومته. وهو ما يمكن أن يحصل يوم الأربعاء.
هذا البعد السياسوي يخفي الوضع المالي المتردي والحالة الاقتصادية الهشة التي يتخبط فيها الاقتصاد الفرنسي. فإضافة إلى العجز في ميزانية الدولة وحجم الديون العمومية، سجل الميزان التجاري عجزا تاريخيا. وكان من الضروري الشروع في سياسة تقشفية لإصلاح الميزانية والحد من المديونية من أجل مواصلة الإصلاحات الهيكلية التي التزمت بها فرنسا لدى الإتحاد الأوروبي، خاصة الرجوع إلى نسبة 3% من العجز مقابل 6% حاليا وتفادي عقوبات بروكسل في صورة فشل الحكومة.
وأعلنت في هذا الصدد نقابة "سي جي تي" أن عدد برامج تسريح العمال ارتفعت لتفوت 200حالة في الشركات الصغرى والمتوسطة وهو ما يفضي حتما إلى طرد 300 ألف عامل مع نهاية السنة. كما أوردت الإدارة العامة لمراقبة الشركات أن حجم الإفلاس في تلك الشركات سجل رقما مفزعا في الستة أشهر الأولى من عام 2024 بوصوله إلى نسبة 18% مقارنة بنفس المدة عام 2023. وهو مؤشر على تدهور الأوضاع الاقتصادية,ورصد الخبراء الاقتصاديون عجزا في عدد من كبار الشركات من بينها المصنعة للسيارات والطائرات. وشهرت عشرات من شركات تسويق المباني إفلاسها خلال نفس الفترة. كما أن الشركات الفلاحية عادت إلى التظاهر في شوارع فرنسا تنديدا بعدم التزام الحكومة بوعودها لحماية الزراعة الفرنسية التي أصبحت مهددة بالإفلاس من جراء الأوضاع العالمية المتقلبة وارتفاع نسب الضرائب. وهو ما جعل زعماء الأعراف يعبرون عن خشيتهم من الدخول في أزمة دولة بدون ميزانية الشيء الذي يؤثر حتما سلبيا على أوضاع المؤسسات الاقتصادية.
ماكرون والمبادرة الأخيرة
في هذا الوضع، يعمل قصر الإليزيه، الذي يراقب عن قرب تطور الأوضاع في البرلمان، على تحضير بدائل سياسية في صورة تم التصويت على لائحة اللوم. المعلوم أن الرئيس لا يمكنه دستوريا حل البرلمان قبل شهر جويلية 2025. لذلك يبقى أمامه من بين الإمكانيات إعادة العمل بميزانية 2023، حسب ما يقتضيه الدستور لضمان استمرارية الدولة. لكن هذا التوجه لا يحل المشكلة وتبقى الدولة عاجزة أمام تفاقم الأزمة المالية بعد التهديدات التي أطلقتها بروكسل ووكالات المراقبة المالية الدولية. دستوريا، وفي حالة رفض إيمانويل ماكرون الاستقالة من منصبه على رأس الدولة كما تنادي به فصائل المعارضة، يمكنه الاستناد إلى البند 16 من الدستور الذي يسمح له بالحكم المباشر عبر المراسيم القانونية. وهوما يسهل له تعيين حكومة جديدة واتخاذ الإجراءات بدون مساءلة. لكن هذا الإجراء، الذي يضرب عرض الحائط بالنظام الديمقراطي، لن يقبل به أحد من الأحزاب السياسية الفرنسية. وهو من شأنه أن يوحد ضده كل الفصائل وأن يدخل البلاد في المجهول.
في هذه الظروف، يقوم الرئيس الفرنسي منذ يوم الإثنين 2 ديسمبر ولمدة ثلاثة أيام بزيارة عمل إلى المملكة العربية السعودية لتدارس الوضع في لبنان وحث المملكة على المساهمة الفعالة في إعماره. مع رجوعه إلى باريس سوف يجد إيمانويل ماكرون حالة غير عادية تتطلب إجراءات حاسمة بالرغم من تدهور العلاقات مع السنغال وتشاد اللذان قررا الأسبوع الماضي قطع العلاقات العسكرية مع باريس. هذا وقد سبق وأن قرر تنظيم حفل دولي يوم السبت 7 ديسمبر لافتتاح كنيسة "نوتر دام" في باريس مجددا بعد إعادة إعمارها إثر الحريق الذي كاد أن يهدمها بالكامل عام 2019، وذلك بحضور أكثر من 50 رئيس دولة ورئيس حكومة تم استدعاؤهم. بين التقلبات الدولية المرتقبة مع رجوع دونالد ترامب إلى الحكم والقضايا العالقة في علاقات فرنسا بإفريقيا والحرب في أوكرانيا، ربما يجد الرئيس الفرنسي مخرجا لأزمته الداخلية في كنيسة "نوتر دام".

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115