تحت وطأة الحصار الإسرائيلي الخانق. لم يعد هناك خبز، ولا دقيق، ولا غاز لطهي ما تبقى من قوت شحيح، فيما تزداد بطون الجوعى خواء، وتضيق بهم الحياة أكثر. إذ كانت المخابز آخر ملجأ للفلسطينيين، يهرعون إليها كل يوم رغم الطوابير الطويلة، أملا في الحصول على بضعة أرغفة تبقيهم على قيد الحياة. لكنها اليوم صامتة، أفرانها باردة، وواجهاتها التي كانت تعج بالناس أصبحت خاوية. نفد الدقيق، وانطفأت شعلة الطهي، وسكن الجوع في قلوب الصغار قبل الكبار.
وفيما يتصارع السكان مع الجوع القاتل، جاء تصعيد صهيوني جديد ببدء عملية عسكرية في رفح، المدينة التي كانت آخر ملاذ للنازحين الفارين من الموت والدمار. وأصبح المكان الذي لجأ إليه مئات الآلاف طلبا للأمان، مسرحا جديدا للنيران والدمار. لا طعام، لا ماء، ولا أمان. فقط جوع يتوحش، وقصف لا يهدأ، وأرواح تحاول النجاة وسط ركام الأمل الأخير.ووفق تقارير فقد كان الخبز يباع بأقل من ثمنه الحقيقي، بفضل دعم الأمم المتحدة، ليتمكن الجميع، من الحصول على ثلاثة كيلوغرامات يوميا مقابل أقل من دولار. واليوم، حتى هذا القليل لم يعد متاحا. غزة، التي أنهكها الحصار والجوع، تتهاوى تحت وطأة المجاعة والنيران، بينما العالم يراقب بصمت قاتل.
أزمة الخبز والمجاعة المحتملة في غزة
في تطوّر خطير يعكس تفاقم الأوضاع الإنسانية في غزة، توقفت جميع المخابز في غزة عن العمل بسبب نفاد الدقيق والوقود، بعد منع الاحتلال الإسرائيلي إدخالهما إلى القطاع على مدار شهر كامل. هذه الأزمة تهدد حياة أكثر من 2.4 مليون فلسطيني، حيث يعتمد السكان بشكل أساسي على الخبز كغذاء رئيسي في ظل الحصار القاسي.
وأكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن الاحتلال "أقدم على ارتكاب جريمة جديدة بحق السكان من خلال منعه التام لإدخال الطحين والمساعدات الإنسانية والوقود"، الأمر الذي يزيد من المخاوف بشأن تفشي المجاعة. فيما أعلن برنامج الأغذية العالمي أنه" لم يعد قادرا على دعم إنتاج الخبز، مشيرا إلى الحاجة لأكثر من 306 آلاف كيلوغرام من دقيق القمح يوميا لتشغيل المخابز التي يدعمها".
يبدو واضحا أن سياسة ''إسرائيل'' تجاه قطاع غزة لم تقتصر على القصف العسكري والتدمير، بل امتدت إلى استخدام الغذاء كسلاح لفرض الضغوط السياسية والعسكرية. حيث يترك توقف المخابز عن العمل سكان غزة في مواجهة مباشرة مع الجوع، خاصة في ظل الانهيار التام للخدمات الأساسية ونقص المواد الغذائية الأخرى.تاريخيا، استخدمت "إسرائيل" سياسة التجويع كأداة للضغط على الفلسطينيين، حيث عمدت إلى فرض قيود مشددة على دخول المواد الغذائية والوقود، ما أدى إلى تكرار أزمات المجاعة ونقص الإمدادات الطبية. واليوم، ومع استمرار منع دخول الدقيق، يبدو أن هذه السياسة وصلت إلى مستوى جديد من التصعيد.
وحذرت العديد من المنظمات الدولية والمحلية من خطر "المجاعة" في القطاع، بسبب هذا الحصار الإسرائيلي المحكم.وتقول المديرة التنفيذية لـ"اليونيسف" كاثرين راسل، إنه مع استمرار منع دخول المساعدات إلى قطاع غزة منذ 2 مارس، في أطول فترة منع مساعدات منذ بداية الحرب "تزداد ندرة وصعوبة الحصول على الغذاء والمياه الصالحة للشرب والمأوى والرعاية الطبية"، أضافت منذرة: "بدون هذه الإمدادات الأساسية، يرجّح أن ترتفع معدلات سوء التغذية والأمراض وغيرها من الأخطار التي يمكن الوقاية منها، فتزداد بالتالي وفيات الأطفال التي كان يمكن اتقاؤها".
وقد حذر برنامج الأغذية العالمي من أن الآلاف من سكان غزة يواجهون مجددا خطر الجوع الحاد وسوء التغذية مع تناقص مخزونات الغذاء في القطاع وإغلاق المعابر أمام المساعدات.وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" وهو يشير إلى الأوضاع السيئة “إن كل شيء في غزة ينفد، الإمدادات والوقت والحياة”، مشيرا إلى أن المساحة اللازمة لبقاء العائلات على قيد الحياة تتقلص مع إصدار أوامر تهجير إسرائيلية جديدة يوميا.
توغّل عسكري في رفح
ميدانيّا بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي، صباح أمس الأربعاء، توغّله البرّي الواسع في مدينة رفح، جنوب قطاع غزة، بعد جلب الفرقة القتالية 36 إلى المنطقة، في خطوة تصعيدية تشير إلى نية إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية رغم التحذيرات الدولية المتزايدة. ويأتي هذا التوغل بعد أسابيع من استئناف حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في 18 مارس الماضي، والتي أدت إلى سقوط آلاف الضحايا بين شهداء وجرحى.
منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر 2023، تسعى "إسرائيل" إلى تحقيق عدة أهداف ، أبرزها القضاء على قدرات المقاومة الفلسطينية، وتوسيع ما تطلق عليه "المنطقة الأمنية العازلة"، التي تهدف إلى فرض سيطرة دائمة على أجزاء من القطاع المحتل. ومع جلب الفرقة القتالية 36، يبدو أن "تل أبيب" تخطط لحسم المعركة في رفح عبر تكثيف العمليات البرية بعد أسابيع من القصف الجوي المكثف.
ووفق مراقبين يعكس توقيت التوغل ضغوطا سياسية داخلية على حكومة الإحتلال الإسرائيلية، حيث يواجه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو انتقادات داخلية وخارجية بسبب استمرار الحرب، دون تحقيق نتائج حاسمة بعد فشل حكومته أمام صمود المقاومة الفلسطينية. ويرى البعض أن توسيع العملية البرية قد يكون محاولة لاستعادة السيطرة على المشهد السياسي الداخلي، وتوجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن "إسرائيل" لن تتراجع دون تحقيق أهدافها العسكرية.
الأبعاد الإنسانية: كارثة تلوح في الأفق
على الجانب الآخر، تمثل هذه العملية تصعيدا كارثيا للوضع الإنساني في غزة، وخصوصا في رفح التي أصبحت الملاذ الأخير لمئات الآلاف من النازحين الفلسطينيين.وتثير تحذيرات جيش الإحتلال الإسرائيلي لسكان رفح بالإخلاء الفوري المخاوف من موجة نزوح جديدة نحو خان يونس، التي تعاني بالفعل من أوضاع إنسانية كارثية.
منذ بدء الحرب، تعرض القطاع لحصار مشدد أدى إلى نقص حاد في الغذاء والدواء، ودمار واسع في البنية التحتية. ويزيد التوغل في رفح من تعقيد الأزمة الإنسانية، حيث لا توجد مناطق آمنة يمكن للمدنيين اللجوء إليها، في ظل تواصل القصف المكثف.
على الرغم من الإدانات الدولية، تواصل آلة الحرب الصهيونية عملياتها العسكرية بدعم أمريكي واضح، حيث لم تتخذ الإدارة الأمريكية أي خطوات فعلية للضغط على تل أبيب لوقف التصعيد. ويثير هذا الدعم تساؤلات حول مدى التزام المجتمع الدولي بحماية المدنيين ووقف الإبادة الجماعية في غزة.
في المقابل، تتزايد التحركات الدولية لعقد اتفاق وقف إطلاق نار جديد، إلا أن "إسرائيل" تواصل فرض شروطها الصارمة، ما يعرقل الجهود الدبلوماسية. ورغم الضغوط المتزايدة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، لا يبدو أن "إسرائيل" مستعدة لإنهاء العمليات العسكرية في المستقبل القريب.
ويمثل التوغل في رفح مرحلة جديدة في الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث تسعى "إسرائيل" إلى تحقيق مكاسب عسكرية على الأرض لتعزيز موقفها السياسي. لكن في المقابل، يتسبّب هذا التصعيد في كارثة إنسانية جديدة تهدّد حياة مئات الآلاف من المدنيين.
على المدى القريب، سيعتمد مسار الأحداث على مدى نجاح المقاومة الفلسطينية في التصدي للهجوم البري، وكذلك على الضغوط الدولية لوقف العمليات العسكرية. وفي حال استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل دون شروط، فإن الحرب قد تستمر لفترة أطول، مع تصاعد الخسائر البشرية والدمار في غزة.في ظل هذا المشهد، يبقى السؤال الأهم: هل سيدفع المجتمع الدولي نحو وقف فوري لإطلاق النار، أم أن التصعيد الإسرائيلي سيستمر دون أي عقوبات ضد المحتل؟
دول عربية تدين اقتحام بن غفير للمسجد الأقصى
على صعيد آخر أدانت دول عربية اقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير للمسجد الأقصى، أمس الأربعاء.وقالت الخارجية المصرية في بيان، إن "مصر تعرب عن استنكارها وإدانتها الكاملة لاقتحام وزير الأمن القومي الإسرائيلي للمسجد الأقصى المبارك، وذلك تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، وفي استفزاز وتأجيج مرفوض لمشاعر المسلمين حول العالم في ثالث أيام عيد الفطر".
وأكد البيان أنه "إلى جانب عدم قانونية أو شرعية أية إجراءات إسرائيلية تتعلق بالمسجد الأقصى الذي يعد مكان عبادة خالصا للمسلمين، فإن الإجراءات الإسرائيلية المتطرفة تشكل انتهاكا سافرا للقانون الدولي ومصدرا رئيسيا لحالة عدم الاستقرار بالمنطقة".وحذّرت مصر من "مغبة الاستمرار في هذا النهج شديد الاستفزاز والتهور"، مشددة على ضرورة الحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي للمقدسات الدينية في القدس.
كما حذرت مصر من أي محاولات للمساس بتلك المقدسات، مشددة على أن "استمرار العجز عن وقف الانتهاكات والاستفزازات الإسرائيلية، وعدم اتخاذ إجراءات رادعة من قبل المجتمع الدولي لوضع حد لتلك التصرفات المستهترة والمستخفة بالقانون الدولي، من شأنها أن تشكل أساسا لموجة غضب واسعة قد تتسبب فى تفجر الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط، وتؤدى إلى تداعيات خطيرة على السلم والأمن الدوليين".
كما أعربت السعودية عن إدانتها "بأشد العبارات" اقتحام بن غفير للمسجد الأقصى المبارك بحماية من شرطة الاحتلال، وإخراج المصلين منه.وجددت المملكة "استنكارها لاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على حرمة المسجد الأقصى".وفي السياق ذاته، دان الأردن الواقعة، معتبرا إياها "تصعيدا خطيرا واستفزازا مرفوضا".
واعتبرت الخارجية الأردنية أن اقتحام بن غفير للحرم القدسي "تصعيد خطير واستفزاز مرفوض وانتهاك لحرمة المسجد الأقصى، وللوضع التاريخي والقانوني القائم فيه".وأكد الناطق باسم وزارة الخارجية الأردنية سفيان القضاة "رفض المملكة المطلق واستنكارها الشديدين قيام وزير إسرائيلي متطرف باقتحام المسجد الأقصى المبارك الحرم القدسي الشريف، في خرق فاضح للقانون الدولي، ولالتزامات إسرائيل القوة القائمة بالاحتلال في القدس المحتلة، ومحاولة لفرض التقسيم الزماني والمكاني". وأضاف أن "لا سيادة لإسرائيل على مدينة القدس المحتلة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية".
فلسطين تطالب بضغط دولي "جدي"
من جانبها طالبت فلسطين، أمس الأربعاء 3 افريل 2025، بضغط دولي "جدي" على "إسرائيل" لوقف "الوحشية" ضد المدنيين، بما يرتقي إلى مستوى ما ترتكبه من جرائم إبادة وتهجير وضم في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
ونددت وزارة الخارجية في بيان وفق الأناضول، بمجزرة الجيش الإسرائيلي جراء استهدافه عيادة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في جباليا شمالي قطاع غزة، التي خلفت 19 قتيلا.وقالت: "ننظر بخطورة بالغة لتوسيع نطاق العدوان البري الإسرائيلي في قطاع غزة وما يصاحبه من قتل جماعي للمدنيين الفلسطينيين".
وأضافت: "كما تدين الوزارة بشدة مجزرة عيادة الأونروا في مخيم جباليا والتي خلفت ما يزيد على 19 شهيدا بينهم أطفال وعشرات الجرحى".وحذرت من "مخططات الحكومة الإسرائيلية لتكريس الاحتلال العسكري لقطاع غزة وتوسيع نطاق المناطق العازلة وتهجير سكانه، وسط فرض حصار شامل وإغلاق المعابر وتعميق سياسة التجويع والتعطيش والحرمان من أبسط مقومات الحياة الإنسانية وتصعيد قصف خيام النازحين ودفعهم داخل دوامة متواصلة من النزوح تحت النار".وطالبت فلسطين بـ"جرأة دولية لوقف هذه الوحشية الإسرائيلية ضد المدنيين الفلسطينيين، واتخاذ الإجراءات والضغوط اللازمة لوقف الإبادة والتهجير والضم، وفرض الحلول السياسة وفقاً للقانون الدولي".