أمن الخليج وإمدادات الطاقة في قلب التصعيد: واشنطن تقلّص وجودها الدبلوماسي في الرياض وماكرون يزور السعودية..

تتجه منطقة الشرق الاوسط إلى مرحلة جديدة

من الضغوط الأمنية والسياسية، في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف السعودية، وقرار واشنطن إجلاء موظفيها الدبلوماسيين غير الأساسيين وعائلاتهم من المملكة، بالتزامن مع زيارة غير معلنة مسبقا للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرياض، حملت رسائل تضامن سياسي وأمني، إلى جانب أبعاد اقتصادية تتصل بأمن الطاقة وإمدادات الوقود إلى أوروبا.

ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، مع تداخل جبهات الصراع بين السعودية والحوثيين في اليمن، والتوترات الأمريكية الإيرانية، والاضطرابات التي تطال حركة النقل والملاحة وإمدادات النفط والمنتجات المكررة.

ويرى مراقبون أن تزامن القرار الأمريكي مع التحرك الفرنسي يعكس حجم التحديات التي تواجهها دول الخليج، لكنه يكشف في الوقت نفسه اختلاف أدوات التعامل معها، فبينما تتجه واشنطن إلى تقليص الوجود الدبلوماسي غير الضروري احترازيا، تسعى باريس إلى تأكيد حضورها السياسي والأمني، وتعزيز علاقاتها مع شركائها الخليجيين، في مسعى يجمع بين اعتبارات الاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية الأوروبية.

مؤشر على تصاعد المخاطر

وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، إصدار أمر بمغادرة الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من السعودية، على خلفية تصاعد الهجمات التي يشنها الحوثيون من اليمن، والتي طالت أهدافاً مدنية ومنشآت حيوية، وأوقعت ضحايا وأثرت في حركة النقل.

وقال المتحدث باسم الوزارة تومي بيغوت، في منشور عبر منصة ''إكس''، إن الحوثيين كثّفوا أعمالهم العدائية ضد المملكة، بما في ذلك الهجمات على المطارات المدنية والبنية التحتية الحيوية، مشيرا إلى ما نتج عنها من خسائر بشرية واضطرابات شديدة في حركة السفر.

وأكد بيغوت أن سلامة موظفي الوزارة وعائلاتهم تمثل أولوية قصوى، وأن الولايات المتحدة ستواصل اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمايتهم.ويعكس القرار، وفق تقديرات مراقبين، ارتفاع مستوى القلق الأمريكي من استمرار الهجمات واحتمال امتداد آثارها إلى منشآت ومواقع إضافية، خصوصاً في ظل صعوبة تأمين مساحات جغرافية واسعة من الهجمات التي تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة.

ولا يعني إجلاء الموظفين غير الأساسيين، في حد ذاته، إغلاق السفارة الأمريكية أو قطع العلاقات الدبلوماسية مع الرياض، لكنه يمثل إجراء احترازيا ذا دلالة سياسية وأمنية، ولا سيما أن واشنطن تلجأ عادة إلى مراجعة مستويات وجودها الدبلوماسي عندما ترى أن المخاطر المحيطة بموظفيها قد تجاوزت الحدود المقبولة.

ويرى محللون أن التحدي الأمريكي لا يقتصر على حماية الدبلوماسيين، بل يمتد إلى كيفية الموازنة بين دعم السعودية أمنيا، وتجنب الانخراط المباشر في مواجهة عسكرية أوسع قد تفتح جبهات إضافية في المنطقة.وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين ما أعلنته الخارجية الأمريكية رسميا وما أوردته مصادر دبلوماسية بشأن احتمال مغادرة عائلات موظفين في بعثات أمريكية بدول خليجية أخرى. فقد شدد بيغوت على أن أمر المغادرة المعلن يخص الموظفين غير الأساسيين وعائلاتهم في السعودية، من دون أن يؤكد صدور قرار مماثل يشمل جميع البعثات الأمريكية في المنطقة.

استهداف المطارات والمنشآت النفطية

تأتي الخطوة الأمريكية في أعقاب سلسلة من الهجمات التي رفعت مستوى المخاوف بشأن أمن المنشآت المدنية والاقتصادية السعودية، في وقت تواجه فيه المملكة ضغوطاً متزايدة لحماية بنيتها التحتية وشبكات النقل والطاقة.

وخلال الأيام الأخيرة، تعرض مطار الملك خالد الدولي في الرياض لهجمات، فيما أشارت تقارير إلى سقوط قتلى ومئات المصابين في هجوم وقع في العاشر من أكتوبر ، في واحدة من أعنف الضربات التي شهدتها الأراضي السعودية خلال السنوات الأخيرة.

كما أعلنت وزارة الطاقة السعودية ، مقتل شخصين وإصابة اثنين آخرين جراء سقوط شظايا عقب اعتراض طائرة مسيّرة كانت تستهدف منشأة في حقل شيبة النفطي بالمنطقة الشرقية الغنية بالنفط.وأوضحت الوزارة أن القتيلين يحملان الجنسيتين الفيليبينية والنيبالية، فيما ينتمي المصابان إلى الجنسيتين الباكستانية والهندية، من دون تحديد مصدر الطائرة المسيّرة في البيان.

وفي تطور آخر، أعلنت السعودية اعتراض ست طائرات مسيّرة أُطلقت باتجاه أراضيها، استهدفت إحداها منطقة المدينة المنورة. كما أفادت هيئة الطيران المدني السعودية، صباح الخميس، بمقتل شخص وإصابة ثمانية آخرين في الهجوم الذي استهدف مطار الملك فهد الدولي في الدمام.

وتبرز هذه التطورات اتساع نطاق التهديدات التي تواجهها المملكة، من المطارات المدنية إلى المنشآت النفطية، بما يجعل تداعيات الهجمات تتجاوز الجانب العسكري لتطال حركة الطيران وسلامة العاملين الأجانب وثقة شركات النقل والطاقة في استقرار البيئة التشغيلية.

زيارة ماكرون إلى الرياض

في موازاة التحرك الأمريكي، وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السعودية في زيارة لم يعلن عنها مسبقا، التقى خلالها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في قصر اليمامة بالرياض.

وبحسب وكالة الأنباء السعودية، تناول اللقاء العلاقات التاريخية والإستراتيجية بين البلدين، وسبل تعزيز التعاون في مختلف المجالات، إلى جانب تبادل وجهات النظر بشأن التطورات الإقليمية والدولية وتنسيق الجهود الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار.أما الرئاسة الفرنسية، فأوضحت أن الزيارة تستهدف إظهار تضامن باريس مع السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، ومواصلة الجهود الرامية إلى تأمين إمدادات المحروقات وتنويع مصادرها.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بسبب توقيتها، إذ تأتي في ظل تصاعد الهجمات على المملكة، وتنامي المخاوف بشأن أمن الخليج والبحر الأحمر، بالتزامن مع اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع تكاليف الوقود في فرنسا.

ويرى مراقبون أن تحرك ماكرون يحمل رسالتين متوازيتين: الأولى سياسية، تتعلق بتأكيد وقوف فرنسا إلى جانب السعودية في مواجهة التهديدات الأمنية؛ والثانية اقتصادية، تستهدف ضمان تدفقات إضافية من الوقود إلى السوق الفرنسية في وقت تتعرض فيه الحكومة لضغوط داخلية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة.

كما تعكس الزيارة، وفق محللين، رغبة باريس في الحفاظ على حضورها الاستراتيجي في المنطقة، وتعزيز التعاون مع دول المنطقة في مجالات الدفاع والطاقة والبنية التحتية، وسط بيئة إقليمية تتزايد فيها المخاطر التي تهدد طرق الإمداد التقليدية.لكن متابعين يرون أن ترجمة هذا التضامن إلى نتائج عملية ستظل مرتبطة بطبيعة التعاون الدفاعي الذي يمكن أن يتفق عليه الطرفان، وبمدى قدرة الدول المعنية على حماية المنشآت الحيوية من دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.

الطاقة في صلب التحرك الفرنسي

ووفق متابعين لا يمكن فصل زيارة ماكرون إلى الرياض عن مساعي فرنسا لتأمين احتياجاتها من الوقود، في ظل الضغوط التي فرضتها الحرب الإقليمية على أسواق الطاقة، والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز.

ووفقا للرئاسة الفرنسية، وافقت السعودية على توفير كميات إضافية من الديزل لفرنسا، على أن يستمر التوريد للمدة اللازمة. ولم يُعلن عن حجم الكميات السعودية الإضافية في المعلومات المتاحة بشأن الاتفاق.

وكانت باريس قد أعلنت، خلال جولة ماكرون الخليجية، التوصل إلى التزامات إضافية من الإمارات والبحرين لتوريد الديزل، بما يرفع إجمالي الكميات الإضافية التي حصلت فرنسا على تعهدات بشأنها من دول الخليج إلى نحو 295 ألف طن شهرياً، وفق الأرقام التي أعلنتها الرئاسة الفرنسية قبل زيارة الرياض.

وتسعى الحكومة الفرنسية من خلال هذه الترتيبات إلى زيادة المعروض من الوقود، والتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار، في وقت أثارت فيه تكاليف المعيشة والطاقة احتجاجات وضغوطاً سياسية داخل البلاد.

ويرى خبراء الاقتصاد والطاقة أن تنويع مصادر الاستيراد يمثل أداة مهمة لتقليل مخاطر الاعتماد على مسارات محددة، خصوصاً عندما تتعرض الممرات البحرية الإستراتيجية لاضطرابات أو تهديدات أمنية. غير أن هذه الإستراتيجية لا تضمن وحدها خفض الأسعار بصورة فورية، لأن تكلفة الطاقة تتأثر أيضا بأسعار الأسواق العالمية، وتكاليف النقل والتأمين، وحجم الطلب، ومدى انتظام الإمدادات.

ويؤكد متابعون أن أهمية الاتفاقات الخليجية بالنسبة إلى فرنسا تتجاوز تأمين كميات إضافية من الوقود؛ فهي تعزز الشراكات الاقتصادية وتمنح باريس هامشاً أوسع للتحرك في مواجهة تقلبات السوق.وفي المقابل، يظل تنفيذ هذه التعهدات مرتبطا بالقدرة على استمرار الإنتاج والنقل والتصدير في بيئة إقليمية مضطربة، وهو ما يجعل أمن المنشآت النفطية والموانئ والممرات البحرية عاملاً حاسماً في حسابات الطرفين.

ضغوطات الاقتصاد العالمي

يتزامن التصعيد في السعودية مع تطورات مقلقة في إيران، حيث أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، بسماع دوي انفجارات في منطقة كاربان بمدينة سيريك في محافظة هرمزغان المطلة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

ولم تحدد وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية ''إرنا'' طبيعة الانفجارات أو ما إذا كانت المنطقة قد تعرضت لهجمات، كما لم تتوافر في المعلومات المعلنة تفاصيل مؤكدة عن أسبابها.وتكتسب هذه التطورات أهميتها من الموقع الجغرافي للمحافظة، القريبة من أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، والذي بات محوراً رئيسياً للتوتر بين واشنطن وطهران.

ويرى محللون أن أي اضطراب مستمر في حركة الملاحة عبر المضيق يمكن أن ينعكس على أسعار النفط والوقود وتكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن زيادة الضغوط على الاقتصادات المستوردة للطاقة، ومنها الاقتصادات الأوروبية.كما يحذر خبراء من أن المخاطر لا تقتصر على الإغلاق الكامل للممرات البحرية؛ فقد يكفي ارتفاع مستوى التهديدات أو تراجع حركة السفن لزيادة كلفة التجارة والطاقة، ودفع الدول والشركات إلى البحث عن طرق بديلة أكثر تكلفة.ومن هنا، تبدو التحركات الفرنسية لتأمين الديزل، والجهود السعودية لحماية منشآتها، والإجراءات الأمريكية المتعلقة بأمن البعثة الدبلوماسية، أجزاءً من مشهد أوسع تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115