الباحث في أكاديمية باريس للجيوبوليتيك فيصل جلول لـ" المغرب ": الجمهورية الخامسة فقدت كل أسباب وجودها وتحتاج فرنسا الآن إلى "جمهورية سادسة"

تمرّ فرنسا وأوروبا اليوم بمنعطف تاريخي خطير

فحراك الشارع واحتجاجات الطلاب والقطاعات المختلفة لم تعد مجرد مطالب معيشية عابرة، بل تحولت إلى أزمة حكم عميقة تعصف بمؤسسات الجمهورية الخامسة. فوسط تراجع القدرة الشرائية، والغلاء المتفاقم للطاقة والمحروقات، والتحديات الجيوسياسية والعسكرية المتمثلة في التهديد الروسي والعبء الأوكراني، يقف النظام السياسي الفرنسي أمام اختبار مصيري. في هذا الحوار الشامل، يفكك الكاتب والصحفي فيصل جلولبالباحث في أكاديمية باريس للجيوبوليتيك جذور الحراك الراهن، ويقارب آفاق التغيير القادم في فرنسا وعموم القارة الأوروبية، مسلطا الضوء على تداعيات ذلك على صناديق الاقتراع ومستقبل المشهد السياسي الفرنسي والأوروبي برمته.

لنبدأ من جذور وأسباب الأزمة الراهنة كيف بدأت، وكيف ترى دور الطلاب تاريخيا في تغيير المعادلات المجتمعية والسياسية في فرنسا؟

بدأت شرارة الاحتجاجات كما صار معروفا من خلال تتالي مشكلة غياب الأساتذة عن بعض الصفوف. إضافة الى تفاقم تردي الظروف الصحية العامة، ومشاكل التدفئة في الشتاء والتبريد في الصيف، هناك بعض النوافذ لا توجد ميزانية لإصلاحها وعندما تنكسر تغطى بالأكياس البلاستيكية، شيء شبيه بمدارس العالم الثالث.

فتراكم هذه المشاكل ذات الطابع التربوي، والداخلي بما في ذلك مثلا كثرة الطلاب في الصف الواحد وعدم توزيعهم إلى صفين، كل ذلك التراكم أدى إلى انفجار الحركة الطلابية الثانوية، ثم تبعتها الجامعات، ثم انخرطت بها فئات أخرى في المجتمع. شيء أشبه بالحراك الطلابي في فرنسا لعام 1968 .

طبعا دور الطلاب في فرنسا معروف تاريخيا فهم الذين يبدؤون بالتحركات ثم ينضم إليهم عمال المصانع والموظفون أحيانا والمزارعون أحيانا أخرى. وهذا في التقليد الفرنسي موجود يعني من الثورة البرجوازية عام 1789 وتكرر دائما في مراحل عديدة.

فعندما يجد هذا القطاع فرصة للانضمام إلى قطاع آخر ينضم إليه، وبما أن الطلاب هم الأكثر وعيا والأكثر اطلاعا على الأوضاع والأكثر احتكاكا بالإدارات ويوجد في صفوفهم عدد كبير من المسيسين لذلك من الطبيعي ان تبدأ الاحتجاجات معهم ثم تتسع المطالب وتندمج مع مطالب فئات أخرى وتحدث الانتفاضة.

ونلاحظ أن هذه الانتفاضة واضحة وتحمل زخما كبيرا وتأتي قبل الانتخابات الرئاسية. وبالتالي يمكن أن تلعب دورا في تحديد هوية المرشح للانتخابات الرئاسية وشكل الجمعية الوطنية لاحقا.

إذا توقيتها الزمني مهم جدا وهي تأتي أيضا في نهاية عهد إيمانويل ماكرون وهذا يعني مؤشر كبير على زخمها لأن هذا العهد لن يتجدد، ماكرون ليس لديه الفرصة للترشح للانتخابات القادمة ناهيك عن أنه ليس لديه حكومة تحظى بشرعية ووضع الحكومة بائس ووضع السلطة بائس إلى حد ما. لا تستطيع الحكومة أن تحكم ببرنامجها ولا تستطيع أن تلبي مطالب غيرها فهذه "اللا استطاعة" أتاحت لهذا الحراك أن يكون واسعا ومؤثرا. والسلطة مع الأسف تحاول أن تعالجه بالتركيز على البعد الأمني وعلى اللصوص الذين كسروا المحلات وتحاول أن تصنفه بوصفه مسألة أمنية وليس مسألة مطالب طلابية ومجتمعية جديرة بأن تلبى."

وما هي خطورة الوضع اليوم في ظل التحديات الأمنية؟

الوضع خطير جدا فعندما لا تتمكن قوات الشرطة من مواجهة المخربين،

سواء لجهة النقص في وسائل القمع، أو بسبب اختيار مواجهة المتظاهرين وليس المكسرين.، هنا يصبح الخطر في ان يتحول التمرد الى تمرد عنيف وتتحول المطالب من مهنية بحتة إلى مطالب سياسية تطالب باستقالة الرئيس ماكرون، ومنها حزب فرنسا الأبية وأصوات أخرى تنادي باستقالة رئيس الجمهورية. تكمن خطورة الوضع في احتمالية تحوله إلى أزمة سياسية حقيقية، رغم أنه بدأ في الأصل مطالب نقابية مهنية جديّة ومشروعة.

ما تأثير ما يحصل  على الانتخابات القادمة ؟

أكيد  سيؤثر هذا الوضع على الانتخابات، وسيكون التأثير باتجاهين سلبيين. ستتسبب أعمال التكسير في الشوارع والنهب في تعزيز فرص اليمين المتطرف للوصول إلى رئاسة الجمهورية.هناك من يرى أن هذه الأحداث تعبد الطريق أمام مارين لوبان لكي تصبح رئيسة للجمهورية.

 سيكون تأثير الحركات قائما على الانتخابات النيابية أيضاً، حيث تشير التوقعات إلى احتمال وصول مارين لوبان إلى الرئاسة دون أن تملك فرصة للحصول على أغلبية برلمانية بعد الرئاسيات، وهو أمر مطروح للنقاش. قد تؤدي هذه الحراكات إلى زيادة شعبية "فرنسا الأبية" والسيد جان لوك ميلينشون، ولكنها بالمقابل قد تزيد من شعبية اليسار المتطرف بشكل أكبر من شعبية ميلينشون نفسه.

 وفي جميع الأحوال، ستؤدي هذه الحراكات إلى إضعاف الوسط، وكذلك إضعاف اليمين الذي ترتبط بعض شخصياته بالانتخابات (سواء كانوا ماكرونيين، أو من هم على هامش ماكرون، أو قريبين منه)، وبالتالي ستكون حظوظهم أقل في الانتخابات القادمة نتيجة لما أنتجه ماكرون من حركات حاليا.

هل نحن أمام تغيير أوسع يشمل أوروبا ؟

ما شهدناه في فرنسا شهدنا ما يشببه في إيطاليا وهناك حركات احتجاجية ممتدة لأكثر من بلد أوروبي ، حتى أن ألمانيا وصلت إليها هذه النوعية من الاحتجاجات. وعادة تبدأ الشرارة في فرنسا وغالبا ما تنتقل إلى باقي دول أوروبا. خاصة بسبب تتشابه الظروف الاقتصادية في جميع البلدان الأوروبية. ومن أبرز هذه الأسباب الأزمات الاقتصادية المتفاقمة  الناتجة عن الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز، والمحروقات بشكل كامل.

لذلك أظن ان هذا الحراك في فرنسا وأوروبا سيستمر وسيتصاعد.

  خاصة ان فرنسا وبقية الدول الأوروبية  لا تمتلك  الوسائل الكافية لتلبية مطالب المحتجين. هناك مطالب نائمة منذ فترة طويلة تتراكم باستمرار، بالتزامن مع انخفاض أو تراجع القدرة الشرائية لدى الناس.

 وتواجه السلطات هذه الاحتجاجات بالعنف، أو تحاول إلغاءها وترهيب الناس من النزول والمشاركة. في النهاية أن التفاعل والترابط القائم بين فرنسا وبقية دول أوروبا لا يزال قائما ومستمرا.

الى اين يسير الوضع في فرنسا أوروبا ؟

هناك أزمة في فرنسا في الواقع هي أزمة حكم حقيقية ولا يمكن حلها بمجرد الاستجابة للمطالب. أظن ان الحل هو ما يطرحه اليسار وليس كل اليسار ولكن فرنسا الأبية لان طرحها منطقي.  فالدول التي تعاني أزمات من هذا النوع يجب ان نتنقل من جمهورية الى جمهورية أخرى فالجمهورية الخامسة فقدت كل أسباب وجودها وتحتاج الآن فرنسا إلى "جمهورية سادسة".

 هذا الطرح لا يقتصر على جان لوك ميلونشون فحسب، بل تتبناه عدة تيارات سياسية أخرى، على الرغم من أن بعض الأطراف التي كانت تطرحه سابقا قد توقفت عن طرحه خوفا من أن يصب في مصلحة ميلونشون.عندما انتخب الشعب اليسار لحل مشاكله، لم تُحل المشاكل.

 وعندما أُعطيت الأغلبية لليمين، لم تُحل المشاكل أيضاً.

أدى عجز اليمين الكلاسيكي واليسار الكلاسيكي عن حل مشاكل الناس إلى تحول الشارع نحو "اليسار المتشدد" و"اليمين المتطرف".

تتوقع معظم استطلاعات الرأي أن تكون الانتخابات الرئاسية المقبلة منافسة بين ميلونشون (اليسار المتشدد) ومارين لوبان (اليمين المتطرف). وهذه هي المرة الأولى التي تحدث في فرنسا، مما يعني أن الناخب الفرنسي فقد الثقة كليا بالليبراليين، ووصلت فرنسا إلى هذه الحالة السيئة في عهد ماكرون الذي وُصف بأنه يمثل "حكم الأوليغارشية".

وماذا بشأن الأزمة في أوروبا؟

الوضع في أوروبا أيضا مأزوم وعميق لعدة أسباب،   فقد بدت أوروبا قارية ضعيفة بعد تخلي ترامب عنها وتخليه عن أوكرانيا. تجد فرنسا واوروبا نفسها مجبرة على تحمل مسؤولية حماية أوكرانيا ودعمها بمليارات الدولارات لمساعدتها على الصمود. وتخشى أوروبا اليوم "الدب الروسي" بقوة، مما يجبرها على تخصيص موازنات هائلة لسياسات الدفاع.   الحكومات الأوروبية تعيش حالة من الخوف المستمر بسبب الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة والتهديدات الخارجية، ولا تترك لنفسها هامشا للمناورة لمعالجة مطالب الناس الاقتصادية.

في المقابل، فإن الناس في الشارع الأوروبي لا يشاركون حكوماتهم هذا الشعور بالخوف الوجودي من اجتياح روسي وشيك.

كيف هو موقف الرأي العام الفرنسي من الحراك؟

الرأي العام الفرنسي منقسم إزاء الحراك ليس انقساما عموديا ولكن   الرأي العام الفرنسي عموما يعاني . فارتفاع أسعار النفط  مؤخرا، أدى إلى جمود اقتصادي وانعدام فرص النمو كما كان ينبغي أن تكون. والحرب في مضيق هرمز وباب المندب تنذر بتفاقم الأزمة واتساع نطاقها.

 بناء على ذلك، يتأثر الرأي العام الفرنسي بهذه الظروف، وسيتم ترجمة هذا التأثير في صناديق الاقتراع التي نراها اليوم تميل عموما لصالح صناديق اليمين المتطرف واليسار المتشدد.

كيف تتعامل الحكومة الفرنسية مع الاحتجاجات؟

الحكومة لفرنسية تفضل ان تضع على واجهة المشهد أعمال النهب والتكسير لتخويف الرأي العام. لقد تحول حراك الطلاب ومن ثم القطاعات الأخرى إلى قضية أمنية محضة، بحيث أصبحت المعالجة الأمنية وحفظ النظام تتصدران المشهد على حساب أصل المطالب الاجتماعية.

هناك اختبار حاسم يوم السبت المقبل ، فإذا تمكنت الحكومة من حماية المتظاهرين وتراجعت أو توقف أعمال السرقة والنهب والتكسير بشكل كبير، فسيكون المتظاهرون قد حققوا إنجازا كبيرا يتيح لهم مواصلة الحراك بنفس الاتجاه. أما إذا تكررت مشاهد العنف والتكسير، فسيكون ذلك في مصلحة الحكومة التي ستتخذ من ذلك مخرجا لمنع أي مظاهرات مستقبلية. وفي هذا السياق، فإن الأصوات التي تطرح فكرة "حل حزب فرنسا الأبيّة" تعبر عن ضيق أفق ونظرة خاطئة تماما، ولن تؤدي إلا إلى تأجيج الأزمة بدلا من حلها.

- الحراك الطلابي في فرنسا وأوروبا سيستمر وسيتصاعد

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115