الصراع السعودي اليمني، مع ترقب تصويت البرلمان-يوم 26 أكتوبر المقبل- على تفويض القوات المسلحة بالمشاركة في الدفاع عن السعودية -إذا طلبت الرياض ذلك- في خطوة تعكس تصاعد المخاوف من امتداد المواجهة الإقليمية إلى البحر الأحمر وممراته الإستراتيجية. ويأتي التحرك المصري عقب تصعيد جماعة الحوثيين هجماتها على منشآت حيوية داخل السعودية، في وقت تتزايد فيه التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجه دول المنطقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فيفري الماضي.
وأثار طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تفويضا برلمانيا بشأن تقديم الدعم العسكري للمملكة، تساؤلات حول طبيعة المشاركة المصرية وحدودها، وما إذا كانت ستقتصر على تعزيز القدرات الدفاعية السعودية وتأمين الملاحة البحرية، أم ستفتح الباب أمام انخراط أوسع في المواجهة. ويشير مراقبون إلى أن القاهرة تحاول الموازنة بين التزاماتها تجاه حلفائها الخليجيين وبين تجنب الدخول في حرب مفتوحة يصعب تحديد سقفها الزمني والعسكري.
وفي هذا السياق، يرى خبراء في الشؤون العسكرية أن الخطوة المصرية تحمل رسائل سياسية وأمنية متزامنة، مفادها أن استهداف الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية لن يبقى بالضرورة محصورا في إطار المواجهة القائمة، وأن استمرار الهجمات قد يدفع أطرافا عربية إضافية إلى تقديم دعم مباشر للرياض. وفي المقابل، يعكس التأكيد على الطابع الدفاعي للتحرك رغبة مصرية في إبقاء خيارات التصعيد محدودة، وتجنب تحويل الدعم العسكري إلى عملية هجومية واسعة داخل الأراضي اليمنية.
وتشير تقديرات مختصين إلى أن المشاركة المصرية المحتملة قد تتخذ أشكالا متعددة، تشمل تعزيز أنظمة الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيق العمليات العسكرية، إلى جانب تقديم الدعم اللوجستي والتقني. كما يظل تعزيز الوجود البحري في البحر الأحمر أحد الخيارات المطروحة، خصوصا في ظل المخاطر التي تهدد السفن التجارية وناقلات الطاقة والممرات المؤدية إلى قناة السويس.
ويستبعد مراقبون أن يكون إرسال قوات برية مصرية إلى اليمن الخيار الأول أمام القاهرة، بالنظر إلى تعقيدات الميدان اليمني وتجارب التدخلات العسكرية السابقة. فالحرب في اليمن لا تقتصر على مواجهة تقليدية بين جيوش، بل تعتمد جماعة الحوثيين فيها على الصواريخ والطائرات المسيرة والتحركات غير المتكافئة، مستفيدة من طبيعة التضاريس وتوزع القوات وصعوبة السيطرة على مناطق واسعة.وتستحضر هذه الحسابات تجربة مصر في التحالف الذي قادته السعودية عام 2015 لدعم الحكومة اليمنية في مواجهة الحوثيين، حين اقتصرت مساهمتها على أدوار جوية وبحرية محدودة، من دون الانخراط في انتشار بري واسع داخل اليمن.
اجتماع خليجي
هذا وعقدت دول مجلس التعاون الخليجي، اجتماعا استثنائيا في الرياض، لبحث تعزيز التعاون والتنسيق بين قواتها المسلحة، في ظل استمرار هجمات جماعة الحوثي اليمنية على السعودية.جاء ذلك وفق بيان لوزارة الدفاع الإماراتية بشأن اجتماع لجنة العمليات والتدريب للقوات المسلحة بدول مجلس التعاون الخليجي، الذي يضم السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وسلطنة عمان.وقالت الوزارة: "عُقد بمقر الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الاجتماع الاستثنائي للجنة العمليات والتدريب للقوات المسلحة بدول المجلس"، دون الكشف عن أسماء المشاركين.
وأوضحت أن الاجتماع ناقش عددا من الموضوعات الهادفة إلى تعزيز التعاون العسكري المشترك في مجالي العمليات والتدريب، وتطوير آليات التنسيق والتكامل بين القوات المسلحة الخليجية.وأضافت أن المناقشات استهدفت "دعم مسيرة العمل الدفاعي الخليجي المشترك، وتعزيز الجاهزية والكفاءة العسكرية في مجالي العمليات والتدريب".ولم يتضمن البيان تفاصيل بشأن القرارات التي أسفر عنها الاجتماع، أو الإشارة إلى بحث هجمات الحوثيين على السعودية بصورة مباشرة.ويأتي الاجتماع العسكري وسط تصاعد هجمات جماعة الحوثي اليمنية على السعودية، وتحركات خليجية ودولية لوقفها.ولم يصدر بيان عن مجلس التعاون الخليجي بشأن الاجتماع حتى الساعة، غير أن أمينه العام جاسم البديوي دعا الأحد إلى تحرك دولي "مؤثر" ضد "جماعة الحوثي" وذلك في ختام اجتماع وزاري بالمنامة.
تدخل أممي
والخميس الماضي، طالب مجلس الأمن الدولي بوقف هجمات الحوثيين على السعودية، والتعاون لمنع حصول الجماعة على أسلحة ومساعدات ترتبط بأنشطة عسكرية تلزم لتنفيذ مزيد من الهجمات.وفي اليوم ذاته، أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن، بقيادة السعودية، مقتل 19 شخصا وإصابة 364 آخرين جراء هجمات شنتها جماعة الحوثي على مطاري الملك خالد بالرياض وأبها جنوبي المملكة.
كما أعلن التحالف تعرض منطقة المدينة المنورة لاستهداف، دون تفاصيل إضافية في المعطيات المتاحة، فيما نفت الجماعة مسؤوليتها عنها.ومنذ جويلية الماضي، يشهد اليمن تصعيدا عسكريا بين القوات الحكومية المدعومة من التحالف الذي تقوده السعودية وجماعة الحوثي، بعد فترة من الهدوء النسبي ارتبطت بهدنة بدأت في افريل 2022.
أمن البحر الأحمر وقناة السويس
لا ينفصل التحرك المصري المحتمل عن المصالح الإستراتيجية والاقتصادية المباشرة للقاهرة، وفي مقدمتها أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، الذي يمثل حلقة أساسية في حركة التجارة العالمية والربط البحري بين آسيا وأوروبا. ويكتسب هذا الممر أهمية إضافية بالنسبة إلى مصر، نظرا إلى ارتباط حركة الملاحة فيه بإيرادات قناة السويس، التي تعد أحد مصادر النقد الأجنبي الرئيسية للبلاد.ويرى محللون أن اتساع نطاق الهجمات في محيط البحر الأحمر قد يضاعف الضغوط على الاقتصاد المصري، الذي تكبد خسائر كبيرة نتيجة تراجع حركة العبور في قناة السويس. وقد أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أن خسائر البلاد من تراجع الملاحة بالقناة بلغت نحو 11 مليار دولار، وهو ما يبرز حجم المصالح الاقتصادية المرتبطة باستقرار الممرات البحرية.
وفي ظل التوترات التي تشهدها المنطقة، تكتسب الملاحة عبر البحر الأحمر أهمية متزايدة للسعودية أيضا، باعتبارها منفذا استراتيجيا لصادرات النفط بعد الاضطرابات التي طالت حركة الشحن عبر مضيق هرمز. ومن هذا المنطلق، يرى مختصون أن التنسيق المصري السعودي في المجال البحري لا يرتبط فقط بحماية السفن، بل يتصل كذلك بضمان استمرارية تدفقات الطاقة والتجارة، والحد من المخاطر التي قد تؤثر في الأسواق الإقليمية والدولية.
ويشير مراقبون إلى أن أي دور مصري في تأمين البحر الأحمر قد يمنح القاهرة فرصة لتعزيز حضورها في معادلات الأمن الإقليمي، وحماية مصالحها الاقتصادية المباشرة، فضلا عن تقاسم الأعباء الدفاعية مع السعودية. لكن هذه المكاسب المحتملة تظل مرتبطة بمدى قدرة التحرك على الحد من الهجمات من دون أن يتحول إلى عامل إضافي لتوسيع المواجهة.
حسابات سياسية واقتصادية
إلى جانب الاعتبارات العسكرية، تحضر العلاقات المصرية الخليجية بقوة في حسابات القاهرة. فقد شكلت السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى على مدى سنوات مصادر مهمة للدعم المالي والاستثمارات والودائع، كما تمثل دول الخليج وجهة رئيسية للعمالة المصرية وتحويلاتها المالية، التي تسهم في توفير العملة الأجنبية ودعم دخول الأسر.
ويرى مراقبون أن هذه الروابط تجعل أمن الخليج جزءا من شبكة المصالح الاقتصادية المصرية، لا مجرد ملف مرتبط بالتحالفات السياسية. فالتصعيد العسكري الذي يهدد المنشآت النفطية والبنية التحتية والممرات البحرية قد ينعكس على أسواق الطاقة والاستثمار والتجارة، وهي قطاعات ترتبط بها المصالح المصرية بصورة مباشرة أو غير مباشرة.ويؤكد مختصون أن القاهرة تسعى إلى الجمع بين التضامن مع الرياض والحفاظ على هامش من الاستقلال في إدارة الأزمة، خصوصا أن الانخراط المباشر في الحرب قد يعرضها لتبعات أمنية وعسكرية يصعب احتواؤها. وتكشف هذه المعادلة عن محاولة لتقديم الدعم لحليف استراتيجي، مع تفادي تحمل أعباء مواجهة مفتوحة لا تضمن المشاركة العسكرية وحدها إنهاءها.