الشرق الأوسط بالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران واستمرار التوتر في مضيق هرمز، في مشهد يعكس اتساع تداعيات الحرب من المواجهة العسكرية المباشرة إلى أمن الملاحة وإمدادات الطاقة وحركة الطيران. وبينما تطالب الإدارة الأمريكية بضمانات نهائية تحول دون إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، تؤكد طهران رفضها الخضوع للتهديدات وتمسكها بحقوقها، وسط مؤشرات على أن التهدئة لا تزال مرتبطة بتسوية ملفات أمنية وإستراتيجية معقدة.
وفي أحدث التحذيرات، دعت سفارات الولايات المتحدة في عدد من دول الخليج والشرق الأوسط المواطنين الأمريكيين إلى توخي أقصى درجات الحذر، والاستعداد لاحتمال إلغاء الرحلات الجوية وإغلاق المجالات الجوية وحدوث اضطرابات في حركة السفر. وشمل التحذير، وفق المعطيات الواردة، دولا خليجية وإيران والعراق والأردن ولبنان والأراضي الفلسطينية المحتلة، مع تنبيه إلى احتمال استهداف مصالح أمريكية في الخارج .
ويعكس هذا التنبيه اتساع نطاق المخاطر التي تتعامل معها واشنطن، إذ لم تعد المخاوف مقتصرة على القوات والمنشآت العسكرية، بل تشمل أيضاً المصالح الاقتصادية والشركات والمؤسسات المرتبطة بالولايات المتحدة، فضلا عن سلامة المواطنين وحركة النقل الجوي والبحري. وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد حذرت في تنبيه عالمي سابق من تعقيد البيئة الأمنية في المنطقة واحتمال إغلاق المجالات الجوية وتعطل الرحلات.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تواجه فيه السعودية تداعيات هجمات حوثية متكررة، من بينها الهجوم على مطار الرياض، الذي أوردت المعطيات المتداولة أنه أسفر عن سقوط قتلى ومئات الجرحى. ويضع هذا التطور أمن المنشآت الحيوية والطيران المدني في قلب المخاوف الإقليمية، خصوصاً مع تداخل المواجهات في اليمن مع الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران.
ويرى مراقبون أن خطورة المرحلة تكمن في تعدد ساحات الضغط وتداخلها، فالتصعيد في اليمن ينعكس على أمن السعودية وممرات البحر الأحمر، فيما تؤثر التطورات في مضيق هرمز مباشرة في حركة صادرات النفط والتجارة الدولية. وبذلك، لم يعد أمن الخليج ملفاً منفصلاً عن مسار الحرب، بل أصبح أحد العوامل المؤثرة في حسابات الطرفين السياسية والعسكرية.
ورقة ضغط
ويتصدر مضيق هرمز المشهد باعتباره أحد أهم مسارات نقل الطاقة في العالم، في ظل إعلان الحرس الثوري الإيراني اشتعال النيران في ناقلتي نفط بعد اصطدامهما بلغمين، وفق ما نقلته المعطيات الواردة. وفي المقابل، قال متحدث باسم القيادة المركزية الأميركية إن 97 في المائة من السفن التي حاولت عبور المضيق تمكنت من ذلك دون أن تصاب بمقذوفات إيرانية، في تصريح يعكس سعي واشنطن إلى تأكيد استمرار حركة الملاحة رغم المخاطر.
وتكشف هذه التصريحات عن روايتين متباينتين بشأن مستوى السيطرة على الممر البحري وطبيعة التهديدات المحيطة به. فواشنطن تركز على قدرة قواتها على حماية حركة السفن، بينما تتمسك طهران بأوراق الضغط المرتبطة بالمضيق، في وقت لا تزال فيه الخلافات السياسية والأمنية تعرقل التوصل إلى تسوية مستقرة.
ويؤكد محللون أن أهمية هرمز لا تنبع من موقعه الجغرافي فحسب، بل من ارتباطه بأسواق الطاقة وأسعار النفط وتكاليف النقل والتأمين البحري. وقد أظهرت الأسواق الإقليمية حساسية واضحة تجاه التصعيد؛ إذ أشارت تقارير حديثة إلى أن المخاوف من اضطراب الإمدادات دفعت أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة، بالتزامن مع استمرار المخاطر التي تواجه ناقلات النفط في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن استمرار التوتر في المضيق يمنح المواجهة أبعادا اقتصادية تتجاوز أطرافها المباشرة. فأي تعطيل واسع للملاحة قد ينعكس على الدول المصدرة والمستوردة للطاقة، ويرفع كلفة النقل والتأمين، ويزيد الضغوط على الاقتصادات التي تعتمد على استقرار الإمدادات النفطية. كما أن اضطراب حركة السفن يضع القوى الدولية أمام معادلة صعبة تجمع بين حماية الملاحة وتجنب توسيع المواجهة العسكرية.
الضمانات النووية
على صعيد المسار السياسي، قال نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إن واشنطن تسعى إلى الحصول على ''التزام نهائي وحازم'' من إيران بعدم إعادة بناء برنامجها النووي، مؤكدا أن الهدف لا يقتصر على معالجة الوضع الراهن، بل يمتد إلى منع استعادة القدرات النووية مستقبلا. وأوضح في تصريحات حديثة أن الإدارة الأمريكية تريد التزاما طويل الأمد يمكن التحقق منه، بالتوازي مع منع تحول التوتر في مضيق هرمز إلى أزمة عالمية في قطاع الطاقة.
في المقابل، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده لن ترضخ للتهديدات، وأنها مستعدة لاتخاذ خطوات دبلوماسية تضمن حقوق الشعب الإيراني. ويعكس الموقف الإيراني تمسك طهران بربط أي تفاهم سياسي بضمانات تتعلق بمصالحها، في حين تصر واشنطن على أن الملف النووي وأمن الملاحة يجب أن يكونا في صلب أي اتفاق نهائي.
ويرى مراقبون أن جوهر الخلاف لا يتعلق بمجرد استئناف المفاوضات، بل بطبيعة التنازلات المطلوبة وآليات تنفيذها والتحقق منها. فالإدارة الأمريكية تسعى إلى ضمانات طويلة الأمد تحول دون إعادة بناء القدرات النووية الإيرانية، بينما ترفض طهران التفاوض تحت الضغط، وتتمسك بأولوية حماية حقوقها ومصالحها الوطنية. وهذا التباين يجعل أي اتفاق محتمل رهنا بتحديد التزامات واضحة ومقابل سياسي واقتصادي مقبول للطرفين.
ويشير خبراء إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في ربط الملفات المتداخلة ضمن تسوية واحدة، تشمل البرنامج النووي والعقوبات وأمن الملاحة والعمليات العسكرية في المنطقة. فالتوصل إلى تفاهم بشأن أحد هذه الملفات لا يعني بالضرورة احتواء بقية بؤر التوتر، خصوصاً في ظل تعدد الأطراف المنخرطة في الصراع وتباين مصالحها.
تغييرات عسكرية واستعدادات
وفي تطور داخلي، أفادت وكالة فارس الإيرانية بأن البرلمان صادق على تعيين مهرداد أخلاقي وزيرا جديدا للدفاع. كما دعا مجلس خبراء القيادة القوات المسلحة إلى الحفاظ على جاهزية شاملة والرد بحزم على أي عدوان جديد، في رسائل تؤكد استمرار الاستعداد العسكري بالتوازي مع الحديث عن المسار الدبلوماسي.
وتعكس هذه التطورات تمسك طهران بمعادلة تجمع بين الاستعداد للمواجهة والإبقاء على باب التفاوض مفتوحا. فالتصريحات الإيرانية الرافضة للتهديدات تتزامن مع التحركات الدبلوماسية، بينما تسعى واشنطن إلى انتزاع التزامات تعتبرها ضرورية لمنع تكرار المواجهة في المستقبل.
وفي هذا السياق، يرى محللون أن التحركات العسكرية والتصريحات المتشددة لا تعني بالضرورة إغلاق باب التسوية، لكنها تشير إلى أن الطرفين يحاولان تحسين موقعيهما قبل أي تفاهم جديد. غير أن استمرار الحوادث البحرية والهجمات الإقليمية والتحذيرات الأمنية يرفع كلفة الانتظار، ويزيد احتمالات وقوع تطورات ميدانية قد تعرقل الجهود الدبلوماسية.
اختبار فرص التهدئة
ووفق متابعين تضع التحذيرات الأمريكية المتزامنة مع التوتر في مضيق هرمز والمواقف المتباعدة بشأن الملف النووي المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية. فواشنطن تريد ضمانات قابلة للتحقق بشأن مستقبل البرنامج النووي الإيراني، فيما تسعى طهران إلى حماية مصالحها ورفض ما تعتبره إملاءات، بينما تظل الملاحة وإمدادات الطاقة عرضة لتداعيات المواجهة.
ويؤكد خبراء أنّ خفض التصعيد يتطلّب أكثر من تبادل الرسائل الدبلوماسية، إذ يحتاج إلى تفاهمات عملية تحدد قواعد التعامل مع الحوادث البحرية، وتحد من استهداف المصالح والمنشآت، وتوفر مسارا واضحا لمعالجة الخلاف النووي. ومن دون هذه الضمانات، ستظل التحذيرات الأمنية مؤشرا على هشاشة الوضع الإقليمي، لا دليلا على قرب التوصل إلى تسوية.وبين الضغوط الأمريكية والتمسك الإيراني بالمواقف المعلنة، يبقى مضيق هرمز أحد أبرز مفاتيح المرحلة المقبلة، لما يمثله من نقطة التقاء بين الأمن العسكري والاقتصاد العالمي. أمّا نجاح الجهود الدبلوماسية، فسيعتمد على قدرة الطرفين على تحويل شروطهما المتعارضة إلى التزامات متبادلة، قبل أن يفرض أي تصعيد جديد وقائع أكثر تعقيدا على المنطقة.