بل هو الحرائق التي تتغذى على الأضلع في خفاء حتى تحول الصدر إلى رماد"... ومن بوح "اعترافات امرأة" تكسر قضبان الصمت، إلى حطب "نساء في الجحيم" في مواجهة الهاوية والنيران الصديقة، إلى صرخة "الزنجية" التي ترفض أن تكون ضحيّة اللون والعنصرية ... لا تقف عائشة بنور في منطقة الحياد. فهي الروائية والباحثة الجزائرية التي كتبت هموم المرأة وقضايا المجتمع بوعي سيكولوجي عميق، وهي التي جرّدت الوهم من الخيلاء الكاذب في "سقوط فارس الأحلام"، فحصدت إشعاعا عربيا ودوليا تجاوز الحدود.
لا تكتب عائشة بنور لا تكتب لمجرد قول القصة وحكي الحكاية. إنما تشحن نصوصها بأسئلة اللون والهوية والجسد والحرية... فتضع القارئ أمام المرآة دون مساحيق تجميل، وتجبره على التحديق في الحقائق القاسية دون مواربة.. دون مجاملة.
*بين تونس والجزائر، لا ترسم الحدود فواصل بين شعبين وحّدتهما دماء الشهداء وذاكرة النضال المشترك ضد الاحتلال الفرنسي. ماذا تعني لك تونس، وهل تقرئين الأدب التونسي؟
تونس الخضراء امتداد لذاكرتنا الجزائرية؛ حين نقول تونس، نقول الساقية الحمراء، ونستحضر أبا القاسم الشابي وشعره، ونستحضر تاريخا من النضال المشترك جمع الشعبين. أما الأدب التونسي، فأراه جزءا من هويتنا المغاربية المشتركة، وأقرأه بوصفه صوتا إبداعيا يثري ذاكرتنا ويعمّق حوارنا الثقافي.. أقرأ للروائية حياة الرايس ، محسن بن هنية، الحبيب السالمي، شكري المبخوت...الخ.
* " الزنجية" عنوان رواية صادم ومحمّل بالتمييز العرقي، لماذا اخترت هذه التسمية؟ هل أردت استعادة الكلمة من تاريخها، أم وضع القارئ أمام ما تحمله من عنف رمزي؟
لا، لم أقصد بالعنوان توصيفا عرقيا أو انتقاصا من إنسان، وإنما هو استدعاء لفظ تاريخي ليحمل داخل الرواية أسئلة الهوية واللون والجسد والذاكرة والقهر، ويعبّر عن تجربة امرأة تواجه نظرة المجتمع إلى اختلافها وتسعى إلى استعادة إنسانيتها وصوتها وأنوثتها...
لقد اخترت العنوان بوعي، لمواجهة ما تحمله الكلمة من عنف وتمييز، ووضع القارئ أمام مجتمع يختزل الإنسان في لون بشرته، متجاهلا إنسانيته وهويته الكاملة.
فالكلمة في الرواية ليست مجرد تسمية للون أو الأصل، وإنما تتحول إلى رمز للإنسان الذي حُوِّل اختلافه إلى سبب للتهميش والاحتقار، ثم يحاول أن يستعيد ذاته وكرامته المقموعة.
* هل بدأت حكاية "الزنجية" من شخصية عاشت في مخيلتك، أم من سؤال عن الإنسان حين يُختزل في لون بشرته وتُصادر بقية هويته؟
شخوص الرواية متواجدة على أرض الواقع العربي، ثم بدأت من سؤال إنساني: لماذا يُختزل الإنسان في لونه، وتُصادر هويته؟ ومن هذا السؤال تشكلت الحكاية عندي لتكشف جراح التمييز ومدى قدرة الإنسان خاصة المرأة في هذه الرواية على المقاومة.
للإشارة الرواية صدرت في أربع طبعات عربية وصدرت مترجمة إلى الفرنسية والانجليزية.
*درست علم النفس، فإلى أي حد أسهم هذا التكوين في فهم دوافع الشخصيات وتناقضاتها؟ وهل تفسرين شخصياتك نفسيا، أم تتركين لها مساحة من الحرية ، من الغموض؟
ساعدني علم النفس على فهم دواخل الشخصيات وتناقضاتها، لكنني لا أقيّدها بالتفسير النفسي، إذ أترك لها مساحة من الحرية والغموض، لأن الإنسان أعمق من أي تشخيص.
*هل تستطيع الرواية تغيير نظرة المجتمع إلى الآخر؟ وهل يمكن أن تكون الكتابة شكلا من أشكال العدالة الرمزية حين يعجز الواقع عن إنصاف ضحاياه؟
قد لا تغيّر الرواية الواقع مباشرة، لكنها تغيّر نظرتنا إليه. والكتابة شكل من أشكال العدالة الرمزية وشكل من أشكال المقاومة، لأنها تمنح الصوت للمهمشين وتحفظ ذاكرة من حاول الواقع إنصافهم متأخرا أو نسيانهم عبر محطات العمر.
*حصلت على جوائز أدبية، وترجمت مؤلفاتك إلى أكثر من لغة... هل يتغير تأثير الرواية حين تغادر بيئتها الأصلية وتصل إلى قارئ لا يشترك مع شخصياتها في السياق الثقافي نفسه؟
بالتأكيد. يُقال إن الترجمة خائنة للنص، لكنها في الوقت ذاته تمنحه حياة جديدة، وتفتح أمامه آفاقا أوسع من القراءة والتأويل. وقد تُرجمت أعمالي إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، فيما تُرجمت بعض قصصي إلى الإيطالية والتركية. وهذا ما أتاح لنصي أن يعبر الحدود ويصل إلى قراء من ثقافات مختلفة. فمهما تباينت المرجعيات الثقافية، تظل المشاعر الإنسانية الكبرى كالظلم والحب والحرية ، لغة مشتركة بين البشر. وهنا تكمن في رأيي قدرة الرواية على عبور الحدود ومخاطبة الإنسان أينما كان ودون حدود.
* هل تعتقدين أن الأدب النسائي ما يزال ضروريا بوصفه مساحة لاستعادة أصوات غُيّبت تاريخيا، أم أن الإصرار على هذا التصنيف قد يحبس الكاتبة داخل هويتها الجندرية، ويحجب القيمة الإنسانية والجمالية لقلمها؟
- ما زال ضروريا ما دامت هناك أصوات تحتاج إلى أن تُسمع. لكنني أؤمن بأن الأدب الجيد يتجاوز جنس كاتبه، ليصبح تجربة إنسانية وجمالية مفتوحة للجميع.
* في "اعترافات امرأة" و"نساء يعتنقن الإسلام"، تحضر المرأة بوصفها مساحة لأسئلة الهوية والاختيار والمجتمع.. لكن ألا تخشين أن تتحول المرأة إلى وسيلة لإدانة المجتمع، بدلا من أن تكون شخصية مستقلة بتناقضاتها ورغباتها وأخطائها؟
أحرص دائما على أن تكون المرأة في أعمالي شخصية مستقلة، لها رغباتها وتناقضاتها وأخطاؤها، وليست مجرد ضحية، لأني لا أريد أن تكون كذلك. أنا أكتب الإنسان في تعقيداته، والمرأة جزء أصيل من هذه التجربة التي كانت محور أعمالي الإبداعية .
*في كتابتك عن المرأة الجزائرية وثورة التحرير، كيف توازنين بين واجب استعادة دور المرأة في الذاكرة الوطنية وحق الرواية في مساءلة الروايات التاريخية الموروثة؟
أستعيد دور المرأة الجزائرية وفاء لذاكرة نضالها، مستندة إلى ما وثقته في كتابي " المرأة الجزائرية في الثورة التحريرية - حقائق وشهادات- و أؤمن بأن الرواية ليست تكرارا للتاريخ، بل قراءة إنسانية له، تستنطق المسكوت عنه و تمنح خاصة المرأة حقها في الذاكرة الوطنية، دون أن تتخلى عن حقها في التساؤل ..
* انطلاقا من عنوان قصتك "عذرية وطن كسيح" ...هل يمكن قراءة الوطن في أعمالك بوصفه وعدا مؤجلا بالحرية، أم أن الوطن استعارة بليغة تختصر واقعا أكثر تعقيدا مما تحتمله اللغة؟
الوطن عندي ذاكرة وحلم ومسؤولية. وفي «عذرية وطن كسيح» التي فازت بجائزة في "فوروم" نساء البحر الأبيض المتوسط بمرسيليا (2002)، وترجمت إلى الفرنسية تتجلى المفارقة بين نقاء الحلم وعجز الواقع عن تحقيقه؛ فالوطن أكبر من الشعارات، والحرية تحتاج إلى ممارسة لا إلى مجرد الاحتفاء بالماضي.
* هل تتذكرين نقدا وُجّه إلى أحد أعمالك وأزعجك في البداية، ثم وجدت فيه لاحقا ما يستحق التفكير؟ لو قرأ ناقد رواياتك بحثا عن التناقضات التي لم تنتبهي إليها، فما السؤال الذي تخشين أن يكتشفه؟
- أؤمن بأن النقد الجاد يضيف إلى الكاتب لا ينقص من أعماله، حتى حين يختلف معه. قد يزعجني النقد في لحظته، لكنني أعود إليه بعين أخرى. أما السؤال الذي أطرحه على نفسي دائما فهو: هل أنصفت شخصياتي، أم جعلتها أحيانا تتحدث بصوت أفكاري؟
* هل يعيش العالم أزمة سياسية فقط، أم أزمة مبادئ جعلت القوة أقدر على فرض الحقيقة من العدالة نفسها؟
أعتقد أننا نعيش أزمة مبادئ بقدر ما نعيش أزمات سياسية؛ حين تصبح القوة معيار الحقيقة، وتتراجع العدالة أمام المصالح، يفقد العالم بوصلته الأخلاقية.
* أصبح الإنسان المعاصر أكثر اطلاعا على مآسي العالم، فهل صار أقل قدرة على التأثر بها؟ وهل تحوّل تدفق الصور والأخبار إلى طريقة أخرى للتعايش مع الألم؟
أصبحنا نرى مآسي أكثر، لكن تكرار الصور قد يحوّل الألم إلى مشهد عابر. المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في اعتياد المأساة حتى نفقد قدرتنا على الإحساس بها لبشاعتها.
*الجزائر التي صنعت استقلالها بتضحيات تاريخية جسام، هل يكفي أن تتوارث الأجيال قصة التحرير، أم أن كل جيل يحتاج إلى أن يعيد تعريف معنى الحرية انطلاقا من واقعه وأسئلته؟
لا يكفي أن نتوارث ذاكرة التحرير المجيدة، بل علينا أن نستوعب معناها ونستخلص منها العبر. لكل جيل معركته في بناء الحرية والكرامة والعدالة، فالاستقلال حدث تاريخي مهم، أما الحرية فمسؤولية متجددة تجاه الوطن. جيل معركته في بناء الحرية والكرامة والعدالة، فالاستقلال حدث تاريخي، أما الحرية فمسؤولية متجددة.
* لو طلب منك أن تكتبي رواية عن الجزائر اليوم - دون مجاملة الذاكرة أو السلطة أو المجتمع- فأيّة حقيقة ستكونين مستعدة لمواجهتها، وأيّة حقيقة ستجدين صعوبة في كتابتها؟
- سأكتب عن المسافة بين أحلام الإنسان وواقعه، وعن التناقض بين ما تعلمناه من قيم وما نمارسه في الواقع. أما أصعب حقيقة، فهي تلك التي تجعلنا نكتشف أن بعض القيود التي نشكو منها قد نعيد إنتاجها بأنفسنا.
هامش على المتن
*هل غيّرت الكتابة قناعاتك، أم جعلتك أكثر مهارة في الدفاع عنها؟
غيرت بعض قناعاتي، وعلمتني أن أراجع أفكاري قبل أن أدافع عنها.
*هل يمكن للروائي أن يكون شجاعا في نصوصه، وجبّانا في حياته؟
نعم، فالشجاعة في الكتابة لا تعني دائما امتلاكها في الواقع.
* هل نكتب عن الضحايا كي ننصفهم أم كي نرتاح من ذنب الصمت؟
أولا: نرتاح من ذنب الصمت، ثانيا : نكتب لننصفهم، وثالثا : أن نحفظ ما يمكن للنسيان محوه مع مرور الزمن.
* أيهما أخطر، مجتمع يكره الآخر المختلف أم مجتمع يتظاهر بقبوله؟
- المجتمع الذي يتظاهر بقبوله.
* هل يمكن أن تكتبي رواية ضدّ فكرة تؤمنين بها؟
- نعم...
* لو استطعت محو كلمة واحدة من اللغة، أيّ كلمة تختارين؟
ألم، أمحوها ليتحرر الإنسان من وجعه.
* لو تم تجريد الإنسان من اسمه ولونه ووطنه، ماذا يبقى منه؟
- تبقى إنسانيته التي لا ينبغي أن تصادر.
- أقرأ من تونس حياة الرايس ومحسن بن هنية والحبيب السالمي وشكري المبخوت....
- الكتابة شكل من أشكال العدالة الرمزية وشكل من أشكال المقاومة
- حين تصبح القوة معيار الحقيقة، وتتراجع العدالة أمام المصالح يفقد العالم بوصلته الأخلاقية
- أصعب حقيقة، هي أنّ بعض القيود التي نشكو منها قد نعيد إنتاجها بأنفسنا