بعد بروز تحركات ميدانية مشتركة: الهوية بين الاختلاف والعيش المشترك والاعتذار


 

 عاد موضوع الهوية في الساحة إلى الواجهة

مع بروز تحركات ميدانية مشتركة جمعت أطرافا مختلفة من المعارضة والمجتمع المدني، رغم اختلاف خلفياتها السياسية والفكرية، هذا التقارب أعاد طرح سؤال قديم ومتجدد، من نحن؟ وكيف يمكن أن نعيش معا رغم اختلافنا؟، فالخلاف حول الهوية لم يعد مرتبطًا فقط بالدين أو اللغة أو الثقافة، بل أصبح مرتبطًا أيضا بطريقة إدارة المجتمع والسياسة، وبالذاكرة التي خلفتها سنوات من الصراع بين تيارات مختلفة.

يكتسب هذا النقاش أهمية خاصة بعد التحرك الذي نظمه حراك "نفَس" يوم 20 أوت الجاري بمشاركة فاعلين مدنيين وسياسيين من خلفيات مختلفة، تحت عناوين تتصل بالدفاع عن الحقوق والحريات ورفض التراجع في المجال العام. وقد أعلن الحراك نفسه تمسكه بفكرة "وحدة الساحات" وعدم الإقصاء على أساس الانتماء الفكري أو السياسي أو المدني.

الهوية: من نحن؟

الهوية تجمع أبعادا مختلفة إضافة إلى تاريخ اجتماعي وثقافي طويل، لكن الإشكال يظهر عندما تتحول الهوية من مساحة تجمع التونسيين إلى وسيلة لتقسيمهم. فكل تيار سياسي يمكن أن يقدم تصورا خاصا عن المجتمع الذي يريد بناءه، ثم يحاول أحيانا التعامل مع هذا التصور وكأنه يمثل تونس كلها، وهنا يصبح السؤال، هل الهوية هي ما يفرضه الخطاب السياسي، أم أنها ما يعيشه الناس يوميا؟، فالمجتمع أبعد من التصورات السياسية، فهو أكثر تنوعا وتعقيدا من الأحزاب والتيارات السياسية، فالتونسيون يعيشون معا رغم اختلافهم في الدين والتفكير واللباس والعادات والمواقف السياسية، هناك طقوس وعادات موروثة يمارسها الناس بشكل طبيعي، من المناسبات العائلية إلى الأعياد والأعراس والعادات الاجتماعية، لكن بعض هذه التفاصيل تتحول أحيانا إلى موضوع سياسي عندما يتم تفسيرها من خلال صراعات الهوية. وهكذا يمكن لسلوك عادي أن يتحول إلىعلامة على الانتماء السياسي أو الفكري. فالهوية ليست فقطجوابا عن سؤال "من نحن؟"، وإنما هي أيضا جواب عن سؤالكيف نعيش معا رغم اختلافنا ؟.

العيش المشترك

العيش المشترك لا يعني أن يتخلى التونسيون عن اختلافاتهم، بل يعني أن يقبل كل طرف بوجود الآخر، ويمكن للمحافظ والحداثي، والمتدين وغير المتدين واليساري والليبرالي والقومي وغيرهم، فالمشكلة ليست في الاختلاف، وإنما في تحويل الاختلاف إلى خصومة دائمة ، ومن هنا يصبح احترام الحريات والحقوق والمساواة أمام القانون أساسا للعيش المشترك، فالتقارب الميداني بين أطراف مختلفة من المعارضة يعيد أيضا فتح ملفات الماضي، فبعض القوى التي تقف اليوم في مساحة مشتركة كانت في السابق في مواجهة سياسية وفكرية حادة. ومن هنا يطرح سؤالا مهما، هل تجاوزت هذه الأطراف خلافاتها فعلا، أم أنها اجتمعت فقط بسبب وجود أهداف سياسية مشتركة ؟ ولكن الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بقدرة كل طرف على مراجعة مواقفه السابقة والاعتراف بالأخطاء، فالعيش المشترك لا يعني أن يصبح الجميع متشابهين، بل يعني أن يصبح الاختلاف نفسه أمرا عاديا.

الاعتذار السياسي

هنا يظهر موضوع الاعتذار، فالاعتذار لا يعني بالضرورة التخلي عن المواقف السياسية، وإنما يمكن أن يكون اعترافا بأن بعض الممارسات أو الخطابات السابقة كانت خاطئة أو ساهمت في تعميق الانقسام، وإن تجمع أطياف مختلفة في نشاط ميداني واحد يمثل فرصة، لكنه في الوقت نفسه اختبار حقيقي، فالوقوف معا في الشارع أسهل من الاتفاق على مستقبل مشترك، وعندما تنتهي التحرك الاحتجاجي، ستعود الأسئلة المتعلقة بالدين والحريات والاقتصاد والدولة والمجتمع، وبذلك فإن نجاح هذا التقارب لن يقاس بعدد الأطراف المشاركة فيه، وإنما بمدى قدرتها على احترام اختلافاتها، فالصراعات التي عرفتها البلاد خلال العقود الماضية لم تكن كلها صراعات على السلطة فقط، بعضها كان صراعا حول تعريف الدولة والمجتمع والحداثة والدين والحريات وموقع المرأة واللغة والتعليم والمرجعية الثقافية.

فالنقاش حول الهوية في البلاد يتجاوز الخلاف حول الأسماء والرموز والعادات، ليصبح نقاش حول شكل المجتمع وطريقة تعامل التونسيين مع بعضهم البعض، والتحركات المشتركة التي تجمع أطرافًا مختلفة من المعارضة يمكن أن تكون بداية لتجاوز مرحلة الاستقطاب، إذا تحولت من مجرد تعاون ظرفي إلى قبول حقيقي بالتعدد، أما الاعتذار، فيمكن أن يكون خطوة ضرورية في هذا الطريق، لأنه يفتح الباب أمام مراجعة الماضي وبناء الثقة، فالهوية ليست التي تلغي الاختلاف، وإنما التي تستطيع أن تتسع له.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115