خلال صائفة 2026 ضغطا غير مسبوق، في ظل ارتفاع قياسي في درجات الحرارة وتنامي الاستهلاك إلى مستويات تضغط على مختلف حلقات سلسلة التزويد من الإنتاج والتعليب إلى التخزين والنقل والتوزيع. ورغم توفر القطاع على عشرات وحدات التعليب وطاقة إنتاجية مهمة فإن القارورة لم تعد متوفرة بالسهولة نفسها في عدد من نقاط البيع، لتتحول أزمة التزويد إلى مشهد يومي يتكرر في مناطق مختلفة، من طوابير أمام المحلات التجارية والشاحنات إلى بحث المواطنين عن المياه من متجر إلى آخر.
واللافت أن الأزمة لا تأتي في قطاع يفتقر إلى القدرة الإنتاجية، فالبلاد تضم أكثر من 30 وحدة لتعليب المياه موزعة على 13 ولاية، بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 520 ألف قارورة في الساعة، لكن ما تكشفه صائفة 2026 هو أن القدرة على إنتاج المياه لا تعني بالضرورة القدرة على إيصالها إلى المستهلك. وتظهر أرقام الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه بوضوح حجم التحول الذي عرفه استهلاك المياه المعلبة في تونس.
2.765 مليار لتر في سنة واحدة
ارتفعت المبيعات من 2.511 مليار لتر سنة 2024 إلى 2.765 مليار لتر سنة 2025، أي بزيادة تناهز 254 مليون لتر خلال عام واحد أي بنسبة 10.1 بالمائة في سنة واحدة، وفي الوقت نفسه، ارتفع عدد القوارير المباعة من 1.687 مليار قارورة إلى 1.984 مليار قارورة. أما الاستهلاك الفردي السنوي، فقد انتقل من 209.3 لتر سنة 2024 إلى 230.4 لتر سنة 2025، هذه الأرقام لا تعكس فقط ارتفاعا ظرفيا بسبب الحرارة، وإنما تؤكد اتجاها تصاعديا في اعتماد التونسيين على المياه المعلبة، ذلك أنه حلال سنة 2010، لم يكن معدل استهلاك الفرد يتجاوز 87 لترا سنويا، قبل أن يصل إلى نحو 225 لترا سنة 2020، وفق دراسة للمرصد التونسي للمياه. وبذلك يكون الاستهلاك الفردي قد تضاعف تقريبا ثلاث مرات خلال نحو 15 سنة.
10 ملايين لتر يوميا
بحسب المعطيات التي قدمتها الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه فإن استهلاك المياه المعلبة يصل خلال ذروة الصيف إلى حوالي 10 ملايين لتر يوميا ، وفي جويلية 2025 وحده، بلغ الاستهلاك حوالي 300 مليون لتر، أي بمعدل يقارب 10 ملايين لتر يوميا، ولا تتوقف الزيادة عند هذا المستوى، إذ يمكن لموجات الحر أن ترفع الاستهلاك بحوالي 30 بالمائة مقارنة بالمستويات الصيفية المعتادة، فاستهلاك المياه المعلبة يرتفع خلال الصيف بما بين أربع وست مرات مقارنة ببقية فترات السنة، وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، السوق مطالبة خلال أشهر قليلة بتوفير كميات ضخمة تفوق بكثير ما تحتاجه خلال بقية العام. وتكشف المعطيات المتوفرة من الهياكل المختصة عن فجوة بين نسق نمو الإنتاج والاستهلاك، فالإنتاج ارتفع خلال سنة 2024 بحوالي 3.7 بالمائة مقارنة بسنة 2023، في حين ارتفع الاستهلاك بنحو 8 بالمائة أي أن التونسيين يستهلكون المياه المعلبة بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج.
وخلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025، بلغ الاستهلاك نحو 2.1 مليار لتر، بقيمة تناهز 790 مليون دينار، مسجلا زيادة بـ8 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من 2024، بمعنى أن الاستهلاك يقترب من مستوى 3 مليارات لتر سنويا وأي اضطراب محدود في الإنتاج أو التوزيع يمكن أن يتحول سريعا إلى نقص محسوس. وإذا كانت الأرقام السنوية تعكس اتجاها تصاعديا في الاستهلاك، فإن أشهر الصيف تكشف الحجم الحقيقي للضغط الذي تواجهه السوق.
أزمة الكهرباء تدخل على خط الأزمة
لم يكن الطلب المرتفع وحده وراء اضطراب السوق، فخلال صيف 2026، أثرت اضطرابات الكهرباء على نشاط بعض وحدات التعليب، وفق تصريحات مهنيين، وتوقف مصنع لعدة أيام، وهو ما ينعكس مباشرة على الكميات التي تصل إلى السوق خاصة إذا تزامن ذلك مع فترة ذروة في الاستهلاك، والمشاهد التي تكررت في الأيام الأخيرة، مواطنون ينتظرون أمام شاحنات محملة بالمياه، وكميات تنفد بسرعة وبعض المواطنين يحصلون على قارورتين فقط، فيما يعود آخرون دون حاجتهم، خير دليل على ذلك، مشاهد تعكس مشكلة أساسية وهي أن المياه موجودة على المستوى الوطني لا يعني توفرها محليا.
المضاربة تزيد الأزمة تعقيدا
إلى جانب العوامل المرتبطة بالإنتاج والتوزيع، كشفت عمليات الرقابة عن ممارسات احتكار ومضاربة ساهمت في تعميق الأزمة، فمنذ بداية أوت وإلى غاية 26 أوت المنقضي، تم حجز حوالي 346 ألف لتر من المياه المعلبة في عدد من الولايات. وفي نابل تم حجز حوالي 25 ألف لتر خلال عمليات شملت نابل والحمامات وبني خلاد. وفي منوبة، تم ضبط 14 ألفا و112 قارورة داخل مستودع عشوائي. أما في الوسلاتية وسد نبهانة بالقيروان، فقد تم ضبط أكثر من 80 ألف قارورة مخزنة بغرض المضاربة. وفي العمران الأعلى بالعاصمة، تم ضبط حوالي 4300 قارورة داخل مخزن عشوائي، وفق المعطيات المتوفرة. وتضمنت المخالفات عدم احترام هوامش الربح القانونية والامتناع عن البيع بين المهنيين إضافة إلى ممارسات البيع المشروط. وقد يبدو حجز 346 ألف لتر رقما ضخما، لكن وضعه في مواجهة حجم الاستهلاك اليومي يعطي صورة أكثر دقة. فعلى أساس استهلاك يبلغ 10 ملايين لتر يوميا خلال الذروة، تمثل الكميات المحجوزة حوالي 3.46 بالمائة من استهلاك يوم واحد. وهذا يعني أن المضاربة وحدها لا يمكن أن تفسر أزمة وطنية شاملة لكن تأثيرها يصبح كبيرا عندما تتركز الكميات المحتكرة في مناطق محددة وفي فترة تعرف أصلا ضغطا شديدا.
أكثر من 3 ملايين لتر يوميا لتونس الكبرى
أمام صعوبات التزويد، اتجهت السلطات إلى ضخ كميات إضافية في السوق، فإثر جلسة عمل انعقدت بمقر الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء بالمياه، تم الاتفاق على تعبئة أكثر من 3 ملايين لتر من المياه المعلبة يوميا لمدة أربعة أيام. وستوجه هذه الكميات إلى المساحات التجارية الكبرى والمتوسطة في تونس الكبرى، مع مراعاة الطاقة الإنتاجية لكل وحدة. ويأتي ذلك ضمن برنامج خصوصي لتعبئة وتوفير المياه المعلبة، تم الإعلان عنه عقب اجتماع انعقد يوم 27 أوت المنقضي بمقر ولاية تونس، بهدف دعم التزويد خلال فترة الطلب المرتفع. ووفق دراسة المرصد التونسي للمياه، فقد كان معدل استهلاك الفرد حوالي 87 لترا سنة 2010، وقد أشارت الدراسة إلى أن كلفة المياه المعلبة كانت تمثل عبئا مهما على القدرة الشرائية، إذ قدرت مصاريف الاستهلاك اليومي بحوالي 700 مليم للفرد وفق مؤشرات الدراسة، بما يعادل نحو خمس الدخل اليومي عند احتساب مؤشرات الطبقة الوسطى والفقيرة في الفترة المدروسة. ومع وصول الاستهلاك الفردي إلى 230.4 لتر سنويا في 2025، يصبح الاعتماد على المياه المعلبة أكثر حضورا في ميزانية الأسر، خاصة بالنسبة إلى الفئات محدودة الدخل.
أزمة منظومة وليست أزمة مياه
يرى متدخلون في القطاع أن اختزال الأزمة في نقص الإنتاج سيكون تبسيطا للمشهد، فالطلب القياسي بفعل الحرارة واضطرابات الكهرباء ومحدودية المخزون وصعوبات النقل واختلال التوزيع والمضاربة والاحتكار، كلها اجتمعت في الوقت نفسه، وتصبح المشكلة أكثر وضوحا عندما نعلم أن الإنتاج السنوي يمكن أن يقترب من مستوى الاستهلاك السنوي، لكن ذلك لا يعني أن السوق قادرة على تلبية طلب يصل في بعض أيام الصيف إلى 10 ملايين لتر يوميا.