من العطلة إلى موسم "العودة" التدريجية للحراك العام: البلاد أمام خريف سياسي ونقابي واجتماعي مفتوح على كل الجبهات

تستعد البلاد لدخول شهر سبتمبر ثم أكتوبر 2026 على

وقع عودة تدريجية للحراك العام، بعد فترة صيف اتسمت بتصاعد الاحتجاجات الاجتماعية والمهنية، وعودة الخطاب السياسي المعارض إلى الشارع بالتوازي مع تحركات نقابية وقطاعية ينتظر أن تتخذ أشكالا أكثر حدة خلال الأسابيع المقبلة، ويبدو أن شهري سبتمبر وأكتوبر المقبلين لن يكونا مجرد محطة للعودة الإدارية والسياسية بعد العطلة الصيفية، بل قد يتحولان إلى مرحلة اختبار حقيقية لقدرة مختلف الأطراف على إدارة ملفات اقتصادية واجتماعية وسياسية متراكمة في وقت تتزايد فيه الضغوط وتتصاعد المطالب المهنية.

عودة تأتي في مناخ تتقاطع فيه عدة مسارات بين عودة مجلس نواب الشعب و التحضير لمشروع قانون المالية لسنة 2027 وسط تصاعد التحركات النقابية واحتجاجات مهنية واجتماعية وتحركات للمعطلين عن العمل وظهور مبادرات شبابية جديدة تحاول إعادة صياغة علاقة الشارع بالشأن العام.

البرلمان يعود.. الدورة الأخيرة

من المنتظر أن يستأنف مجلس نواب الشعب أعماله خلال شهر أكتوبر المقبل، مع افتتاح الدورة العادية الخامسة والأخيرة من المدة النيابية الحالية، بعد انتهاء الدورة الرابعة ودخول النواب في العطلة البرلمانية السنوية. وتكتسي هذه العودة أهمية خاصة باعتبارها آخر دورة عادية في العهدة النيابية التي انطلقت سنة 2023 وهو ما يضع المؤسسة البرلمانية أمام فترة زمنية محدودة لإنهاء عدد من الملفات التشريعية والرقابية، وتتقدم مشروع ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2027 قائمة الملفات المنتظرة، باعتبار أن مناقشة الميزانية تمثل في كل سنة المحطة السياسية والاقتصادية الأبرز داخل البرلمان، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالجباية والإنفاق العمومي والأجور والدعم والاستثمار والسياسات الاجتماعية والاقتصادية للدولة. ومن المنتظر أن يتحول مشروع قانون المالية إلى محور أساسي للنقاش خلال الخريف، خصوصا في ظل الصعوبات الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد وارتفاع الانتظارات الاجتماعية بشأن القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات العمومية.

كما ينتظر أن تتواصل معالجة عدد من مشاريع القوانين ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي إلى جانب الملفات المحالة على اللجان البرلمانية، فضلا عن الدور الرقابي للمجلس من خلال الأسئلة الموجهة إلى أعضاء الحكومة ومتابعة أداء الوزارات والقطاعات. وبذلك ستكون العودة البرلمانية مرتبطة بشكل مباشر بما يجري خارج أسوار المجلس، إذ إن الملفات التي ستطرح تحت قبة البرلمان هي نفسها تقريبا التي تشكل عناوين الاحتجاجات في الشارع من الأسعار والتشغيل والاستثمار والخدمات العمومية والماء والطاقة والصحة والنقل.

اتحاد الشغل.. سبتمبر شهر القرار

على المستوى النقابي، يبدو أن شهر سبتمبر المقبل سيكون من أكثر الأشهر أهمية خصوصا مع برمجة اجتماع الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل يوم 9 سبتمبر المقبل، بعد اجتماع مجلس القطاعات، وتأتي هذه المحطة في ظل لهجة تصعيدية متزايدة داخل المنظمة مع تأكيد الأمين العام صلاح الدين السالمي أن مختلف الخيارات ستكون مطروحة أمام الهيئة الإدارية الوطنية، فالخطاب النقابي لم يعد يقتصر على المطالب المهنية والقطاعية، بل اتسع ليشمل الوضع العام في البلاد والعلاقة مع السلطة ومستقبل الحوار الاجتماعي والحقوق النقابية  والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ويعكس هذا التحول رغبة داخل المنظمة في الانتقال من معالجة الملفات القطاعية كل على حدة إلى وضع المشهد الوطني برمته على طاولة النقاش. وسيكون اجتماع الهيئة الإدارية الوطنية محطة أساسية لمعرفة ما إذا كان الاتحاد سيتجه نحو تحركات وطنية أوسع أم سيواصل التحرك عبر القطاعات والملفات المهنية أم سيعتمد صيغة تجمع بين المسارين.

نقل المحروقات.. إضراب في 23 و24 سبتمبر

بالتوازي مع ذلك دخل قطاع نقل المحروقات مسارا تصعيديا بعد الإعلان عن إضراب قطاعي يومي 23 و24 سبتمبر الجاري بكامل تراب الجمهورية. ويرتبط التحرك، وفق ما ورد في برقية التنبيه بالإضراب، بجملة من المطالب المهنية والاجتماعية، من بينها تطبيق اتفاقات سابقة والتغطية الاجتماعية وتفعيل الاتفاق المبرم بتاريخ 2 ماي 2019. ويحمل هذا الإضراب أهمية خاصة بسبب طبيعة القطاع ودوره المباشر في تزويد مختلف الجهات بالمحروقات، وما يمكن أن يترتب عن أي اضطراب في النقل والتوزيع من انعكاسات على الحركة الاقتصادية والنقل والخدمات. كما أن تزامن هذا التحرك مع موجة أوسع من الاحتجاجات النقابية يجعل منه أحد أبرز اختبارات شهر سبتمبر.

مناجم قفصة.. تحرك قطاعي

في قطاع الفسفاط، يتواصل الاحتقان المهني على خلفية حادث الشغل الذي أودى بحياة العامل عبد القادر ذياب. وقد نفذ أعوان شركة فسفاط قفصة يوم 26 أوت الجاري وقفة احتجاجية ترحما على روح العامل، تلتها جلسة نقابية تناولت ظروف العمل والمسائل المهنية وشروط الصحة والسلامة. ويتجه القطاع نحو تنفيذ إضراب أيام 1 و2 و3 سبتمبر بالمناجم، بما يجعل بداية الشهر الجديد مرتبطة مباشرة بملف الشغل والسلامة المهنية في واحد من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الوطني، ويأتي ذلك في سياق تتجدد فيه المطالب بتحسين ظروف العمل وتعزيز إجراءات السلامة ومعالجة الإشكالات المتراكمة داخل مواقع الإنتاج.

عودة ملف التشغيل إلى الشارع

ولا يبدو ملف التشغيل بعيدا عن المشهد، فمع الإعلان عن تحرك المعطلين عن العمل من أصحاب الشهائد بداية سبتمبر للمطالبة بتفعيل القانون عدد 18 المتعلق بالانتداب الاستثنائي لمن طالت بطالتهم، يعود ملف البطالة والتشغيل إلى واجهة النقاش الاجتماعي، ويظل التشغيل من أكثر الملفات القادرة على تعبئة الشارع، خصوصا لدى الشباب وحاملي الشهادات العليا، في ظل محدودية فرص الانتداب وتفاوت التنمية بين الجهات، ومن شأن تزامن هذه التحركات مع الإضرابات القطاعية والاحتجاجات المهنية أن يمنح شهر سبتمبر طابعا اجتماعيا كثيفا، تتعدد فيه المطالب لكن يجمع بينها الشعور بانسداد الأفق وضرورة إيجاد حلول عملية.

الشارع السياسي.. عودة الأحزاب والتحركات المدنية

على المستوى السياسي، من المنتظر أن تشهد الفترة المقبلة أيضا عودة تدريجية لنشاط الأحزاب والقوى السياسية والمنظمات المدنية، بعد أشهر من التحركات المتفرقة. وتتجه عدة قوى إلى استثمار عودة النشاط السياسي لإعادة طرح ملفات الحريات العامة وحرية التعبير ووضع الموقوفين والسجناء على خلفية قضايا سياسية ومستقبل الحياة السياسية في البلاد. وقد شهدت الأشهر الأخيرة عددا من التحركات المدنية والسياسية التي رفعت شعارات مرتبطة بالحريات والوضع الاجتماعي والاقتصادي، من بينها تحرك "هات حصيلة حكمك" في جوان، وتحركات خلال ذكرى 25 جويلية، إضافة إلى مظاهرات ووقفات أخرى خلال شهر أوت.

"يزي".. حراك شبابي جديد

في هذا السياق، برزت مبادرة شبابية جديدة حملت اسم "يزّي"، وقدمت نفسها باعتبارها حراكا احتجاجيا يسعى إلى دفع التونسيين إلى التحرك في مختلف مناطق الجمهورية. ويطرح الحراك مجموعة واسعة من المطالب، تمتد من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى الحريات والبطالة والخدمات العمومية وغلاء الأسعار وانقطاع الماء والكهرباء ونقص بعض الأدوية، إضافة إلى رفض ما يعتبره مؤسسوه حالة من الانسداد السياسي والاجتماعي. وأعلن أصحاب المبادرة عن دعوة إلى تحركات احتجاجية انطلاقا من 26 أوت الجاري في محاولة لإخراج الاحتجاج من إطار التحركات المركزية في العاصمة إلى مختلف الجهات.  ولا يأتي ظهور "يزي" في فراغ، فقد سبقت هذه المبادرة تحركات مدنية وشبابية أخرى، من بينها "نفَس"، التي ركزت بدورها على الحريات والوضع الاجتماعي وضرورة توحيد التحركات.

الأكيد أن الأشهر المقبلة ستكون مختلفة عن أشهر الصيف، فالبرلمان سيعود والاتحاد سيجتمع لاتخاذ قرارات بشأن المرحلة المقبلة، قطاعات مهنية تستعد للإضراب، المعطلون عن العمل يعودون إلى الشارع، مبادرات شبابية جديدة تحاول توسيع دائرة الاحتجاج والقوى السياسية والمدنية تستعد بدورها لاستعادة حضورها، وبذلك قد يكون سبتمبر وأكتوبر أكثر من مجرد "عودة" بعد العطلة، فقد يشكلان بداية مرحلة سياسية واجتماعية جديدة، تتقاطع فيها المؤسسة البرلمانية مع الشارع والنقابة مع المطالب الاجتماعية والحركات الشبابية مع القوى السياسية والمدنية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115