في خامس فضّ لاعتصامهم: المعطلون عن العمل بين التدخل الأمني وتأخر تنفيذ القانون عدد 18

لم تكن ليلة 2 سبتمبر الجاري عادية بالنسبة إلى

المعطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا الذين اختاروا الاعتصام أمام المسرح البلدي بالعاصمة للمطالبة بحقهم في التشغيل وتنفيذ القانون عدد 18 لسنة 2025. فبعد ساعات من الانتظار، وفي وقت كان فيه المعتصمون، وفق شهاداتهم، يعتقدون أن بإمكانهم مواصلة تحركهم انتهى الاعتصام بتدخل أمني ليلي، تلاه تفريق المحتجين واقتياد عدد منهم نحو محطات النقل وإجبارهم على مغادرة العاصمة.

أربعة اعتصامات سابقة سبقت تحرك 1 سبتمبر، وفق المعطلين. وفي كل مرة يعود المحتجون إلى الشارع ما يعكس بالنسبة إليهم عدم وجود حل نهائي للملف، 11 جوان و22 جويلية و12 أوت و19 أوت، وصولا إلى اعتصام 1 سبتمبر الذي أضاف عنصرا جديدا إلى الأزمة، الاتهامات بالعنف والإهانات والسحل والترحيل القسري من العاصمة، ووفق المحتجين فإنهم كانوا قد تلقوا في وقت سابق تطمينات بإمكانية مواصلة اعتصامهم إلى غاية صباح أمس، في انتظار عقد جلسة للنظر في مطالبهم قبل أن تتم مداهمة مكان الاعتصام في حدود الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وفضه بالقوة، وفق ما ورد في بيانات اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل.

المطالبة بفتح تحقيق

أكد اتحاد أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل أن عملية الفض رافقتها، وفق شهادات المعتصمين، أعمال عنف جسدي ولفظي، شملت الضرب والسحل والسب والشتم، مشيرا إلى نقل عدد من المحتجين إلى المستشفى لتلقي العلاج، وقد وصف ما حصل بأنه "واقع مخز"، معبرا عن صدمته مما اعتبره عودة إلى ممارسات كان يفترض أن تكون قد تجاوزتها المؤسسة الأمنية بعد الثورة.  وقال الاتحاد إن المعتصمين لم يكونوا بصدد ممارسة أعمال عنف أو تهديد للنظام العام، وإنما كانوا يخوضون تحركا سلميا للمطالبة بحقوق يعتبرونها مشروعة، وعلى رأسها تنفيذ القانون عدد 18 لسنة 2025. وطالب الاتحاد بفتح تحقيق في ملابسات التدخل، وتحديد الجهة التي أصدرت التعليمات بفض الاعتصام، وكذلك تحديد المسؤوليات بشأن أعمال العنف التي يقول إنها طالت عددا من المحتجين.

المجتمع المدني يدخل على خط الأزمة

لم يمر التدخل الأمني دون ردود فعل حقوقية ومدنية، فقد أصدرت مجموعة من المنظمات والجمعيات بيانا مشتركا عبرت فيه عن "قلق شديد" إزاء ما حدث، واعتبرت أن فض التحرك بالقوة وما رافقه، وفق شهادات المحتجين، من إيقافات وتعنيف وهرسلة وإهانات وسحل، يمثل انتهاكا لحقوق المحتجين وكرامتهم وحقهم في الاحتجاج السلمي. وطالبت هذه المنظمات بفتح تحقيق مستقل وشفاف لتحديد المسؤوليات، كما دعت إلى وقف ما وصفته بالمقاربة الأمنية في معالجة ملف البطالة والمطالب الاجتماعية. واعتبرت أن المؤسسة الأمنية لا يمكن أن تحل محل السلطة السياسية في معالجة أزمة التشغيل، ولا أن تتحول إلى أداة للتعامل مع عجز السلطة التنفيذية عن إيجاد حلول لملف اجتماعي وقانوني. ومن بين الموقعين على البيان، اتحاد أصحاب الشهادات المعطلين عن العمل والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والاتحاد العام لطلبة تونس إلى جانب عدد من الجمعيات والمجموعات المدنية.

أعضاء من البرلمان يطالبون بمساءلة الحكومة

بدورهم، دخل عدد من أعضاء مجلس نواب الشعب على خط الأزمة، معتبرين أن ما حدث يمثل تصعيدا خطيرا في طريقة التعامل مع احتجاجات المعطلين. وأعلن النواب الممضون على بيان حول الأحداث تضامنهم مع أصحاب الشهائد العليا، مؤكدين حقهم في الاحتجاج والمطالبة بالتشغيل والكرامة. كما حملوا السلطة التنفيذية المسؤولية السياسية عن تعطيل تنفيذ القانون عدد 18 لسنة 2025، وطالبوا بالكشف عن الجهات التي أصدرت التعليمات بفض الاعتصام واستعمال القوة واقتياد المحتجين إلى محطات النقل. وطالب النواب أيضا مجلس نواب الشعب بممارسة دوره الرقابي ومساءلة الحكومة والجهات المعنية بشأن تعطيل تنفيذ القانون، إلى جانب فتح تحقيق مستقل في الانتهاكات التي يقول المحتجون والمنظمات إنها رافقت عملية الفض.

القانون عدد 18.. أصل الأزمة

ويأتي التصعيد الأخير في سياق تحركات متواصلة لخريجي التعليم العالي المعطلين عن العمل، الذين يطالبون بتنفيذ القانون عدد 18 لسنة 2025، باعتباره الإطار القانوني الذي يفترض أن يفتح أمامهم آليات للانتداب بعد سنوات طويلة من البطالة . ويطالب المحتجون باستكمال الإجراءات الضرورية لدخول القانون حيز التنفيذ، بما في ذلك إصدار الأوامر الترتيبية وإحداث المنصة الإلكترونية والشروع في الانتدابات وفق آجال واضحة ومعلنة، وبذلك، فإن أزمة ليلة 2 سبتمبر لا تبدو منفصلة عن أزمة أعمق تتعلق بمسار تنفيذ القانون نفسه. فكلما تأخر الحل السياسي والإداري، عاد الاحتجاج إلى الشارع وكلما عاد الاحتجاج برز السؤال حول طريقة تعامل السلطات معه.

يضع فض الاعتصام الأخير السلطات أمام دعوات متزايدة إلى توضيح ملابسات ما حدث، والكشف عن التعليمات التي سبقت التدخل الأمني إلى جانب تقديم رؤية واضحة بشأن مآل القانون عدد 18 لسنة 2025 وآليات تنفيذه، وفي انتظار التوضيحات الرسمية، يبقى ملف المعطلين من أصحاب الشهائد العليا عالقا بين قانون ينتظر التنفيذ، وشباب ينتظرون العمل واحتجاجات تتكرر وسلطة تواجه مطالب اجتماعية متصاعدة بمعالجة أمنية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115