منحة إلى موسكو أم طريق إلى الجبهة؟

في وقت تتزايد فيه صعوبات التعليم والهجرة أمام

الشباب التونسي، تبرز روسيا كوجهة جديدة تسعى إلى استقطاب مزيد من الطلبة التونسيين، من خلال توسيع المنح الدراسية وتعزيز التعاون الجامعي والعلمي بين البلدين. فقد أعلن وزير التعليم العالي الروسي فاليري فالكوف مؤخرا أن بلاده تسعى إلى الترفيع في عدد المنح الموجهة للطلبة التونسيين، في إطار خطة أوسع لزيادة عدد المنح المخصصة للطلبة الأجانب من نحو ألفي منحة إلى خمسة آلاف خلال السنوات المقبلة.

ويبدو الأمر ظاهريا بأنه فرصة أمام الطلبة التونسيين للدراسة في جامعات روسية، والحصول على تكوين في اختصاصات مختلفة، والاستفادة من برامج تشمل مستويات جامعية متعددة. لكن توقيت هذا الانفتاح يفرض طرح أسئلة أخرى، خصوصا أن روسيا تخوض منذ سنوات حربا في أوكرانيا، وأن الجيش الروسي فتح بالفعل أبوابه أمام مواطنين أجانب للالتحاق بصفوفه، وأنه يوجد تونسيون ذهبوا إلى الدراسة وانتهى بهم المطاف مجندين في الجيش الروسي وتم نقلهم إلى جبهات القتال، وهي حالات معروفة وموثقة.

إن ماهو أكيد أنه لا يمكن الجزم بأن المنح الدراسية التي تقدمها روسيا للتونسيين هي وسيلة لتجنيدهم والإيقاع بهم، إذ لا توجد، إلى الآن، أدلة تثبت وجود سياسة روسية توظف المنح الجامعية لهذا الغرض. لكن تجاهل احتمال استغلال بعض الظروف الفردية للطلبة أو الشباب الموجودين على الأراضي الروسية سيكون بدوره أمرا غير مسؤول. وبالتالي ليس المطلوب هو رفض التعاون الأكاديمي مع روسيا بالنظر إلى أهميته من نواح متعددة، وإنما المطلوب هو ضرورة أن ترافق تونس هذا التعاون بقدر أكبر من اليقظة والحماية لأبنائها.

مخاوف جدية

إن ما يجعل هذه المخاوف جدية هو أن الحديث عن تجنيد تونسيين في الجيش الروسي لم يعد مجرد إشاعة متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي. فقد كشفت تحقيقات صحفية عن حالات لتونسيين انتهى بهم المطاف مجندين ضمن القوات الروسية، وبرزت قضية الطالب التونسي منتصر السحباني باعتبارها واحدة من أكثر الحالات إثارة للقلق.

لقد توجه السحباني إلى روسيا سنة 2021 من أجل الدراسة، غير أن مساره اتخذ لاحقا اتجاها مختلفا تماما. وبحسب ما نقلته عائلته ومصادر إعلامية، وجد نفسه في السجن، قبل أن يبرم عقدا مع الجيش الروسي، ثم انقطعت أخباره. وفي وقت لاحق، كشفت وثيقة روسية رسمية، أنه سُرح من الخدمة العسكرية بسبب الوفاة في 18 أفريل 2026، من دون أن تكشف الوثيقة، بحسب ما نُشر، عن تفاصيل كافية حول مكان الوفاة وظروفها ومصير الجثمان. كما أشار تحقيق استقصائي إلى أن سبعة تونسيين على الأقل التحقوا بالقوات الروسية، مع تأكيد وفاة أحدهم، فيما بقيت أوضاع آخرين غير واضحة.

إن هذه الوقائع لا تعني بالضرورة أن كل تونسي يذهب إلى روسيا معرض تلقائيا للتجنيد، ولا أن الجامعات الروسية تشكل طريقا إلى جبهات القتال. لكنها تكشف عن وجود مسارات يمكن أن ينتقل عبرها بعض الأجانب من الدراسة أو العمل إلى المؤسسة العسكرية، خصوصا في ظروف اقتصادية أو قانونية صعبة.

فالطالب الأجنبي الذي يجد نفسه بعيدا عن وطمه، ولا يتقن كما يجب اللغة الروسية، ويواجه صعوبات مالية أو قانونية، قد يكون أكثر عرضة للعروض المغرية أو للضغط أو للاستغلال. وقد يبدأ الأمر بعقد عمل أو بوعد مالي، ثم يجد الشخص نفسه أمام التزامات لم يكن يتصورها عند مغادرته لبلده. ولعل السؤال الذي يطرح في هذا الإطار هل تملك تونس الآليات الكافية لمنع تعرض طلبتها للاستغلال أو التجنيد داخل الأراضي الروسية؟

وضع إستثنائي

أن ماهو أكيد هو أن التعاون الجامعي بين الدول ليس ظاهرة جديدة، والمنح الدراسية هي إحدى أهم أدوات التقارب الثقافي والعلمي بين الشعوب. كما أن روسيا تمتلك جامعات عريقة ومؤسسات علمية متقدمة في عدد من الاختصاصات، ويمكن للطلبة التونسيين الاستفادة من تجربة الدراسة فيها.

لكن التعاون الأكاديمي لا ينبغي أن يكون منفصلا عن الواقع السياسي والأمني للبلد المضيف. وروسيا اليوم ليست مجرد بلد يستقبل طلبة أجانب، فهي دولة تخوض حربا واسعة، وتستقطب مقاتلين أجانب لقواتها المسلحة. لذلك يصبح من واجب الدولة التونسية أن تضع شروطا وآليات حماية واضحة لكل طالب يغادر تونس باتجاه روسيا.

ولعل من أهم الإجراءات المطلوبة إنشاء متابعة قنصلية فعلية للطلبة، وتوفير خطوط اتصال للطوارئ، وإعلامهم بحقوقهم القانونية، وتحذيرهم بوضوح من توقيع أي عقد عسكري أو عقد عمل غير مفهوم، ومن التعامل مع الوسطاء غير الرسميين الذين قد يستغلون حاجتهم إلى المال أو وضعهم القانوني. كما ينبغي أن تكون هناك آلية سريعة للتدخل عند اختفاء طالب أو انقطاع أخباره، وألا تنتظر السلطات التونسية شهورا حتى تظهر وثيقة أجنبية لتكتشف أن مواطنا تونسيا انتقل من مقاعد الجامعة إلى الخدمة العسكرية.

فإذا كانت روسيا تريد استقطاب مزيد من الطلبة التونسيين، فمن حق تونس أن تطالب بضمانات تحميهم من الاستغلال والتجنيد غير المرغوب فيه، والشك ليس اتهاما، والتحذير ليس عداءا، والتحقق لا يعني رفض التعاون. فقد تكون المنح الروسية بالفعل مبادرة تعليمية طبيعية وجزءا من سياسة موسكو لتوسيع علاقاتها الأكاديمية والثقافية مع العالم العربي وإفريقيا، لكن وجود حالات موثقة لتونسيين انتهى بهم المطاف مجندين في الجيش الروسي وأحدهم فارق الحياة في ظروف غامضة يجعل اليقظة ضرورة لا ترفا. وبالتالي، لا يكفي أن نسأل عن عدد المنح التي ستقدمها روسيا للتونسيين، بل السؤال الأهم هو، ما الضمانات التي ستقدمها تونس لحماية أصحاب هذه المنح على الأراضي الروسية؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115