مع اشتداد الموجة الثانية من ارتفاع درجات الحرارة، وسط تزايد الضغط على أقسام الاستعجالي والإنعاش، وتضارب واضح في المعطيات المتعلقة بعدد الوفيات والحالات الخطيرة المرتبطة بالحرارة. وفي آخر حصيلة رسمية أعلنتها وزارة الصحة نهاية الأسبوع المنقضي تم تسجيل 633 حالة استشارة وتكفل صحي مرتبطة بتداعيات موجة الحر خلال الفترة الممتدة من 1 جويلية إلى 29 أوت الجاري.
وأكدت الوزارة، في بلاغ لها، عدم تسجيل أي تعطّل في استمرارية الخدمات الصحية، مشيرة إلى تفعيل آليات التنسيق والمتابعة على المستويين المحلي والجهوي، بما أتاح الاستباق وتعبئة الموارد والإمكانات الضرورية بحسب تطور الوضع. كما أعلنت الوزارة مواصلة متابعة الوضع الصحي بالتنسيق مع الهياكل الصحية الجهوية مع تثمين جهود الإطارات الطبية وشبه الطبية والإدارية ومختلف المتدخلين في استقبال المرضى والتكفل بهم وضمان استمرارية الخدمات.
منظمة الأطباء الشبان: أرقام ميدانية مختلفة وتساؤلات حول الوفيات
دعت الوزارة المواطنين إلى تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة والإكثار من شرب الماء، مع إيلاء عناية خاصة لكبار السن والأطفال والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة والتوجه إلى أقرب مؤسسة صحية عند ظهور علامات الإجهاد الحراري. في المقابل، قدمت المنظمة التونسية للأطباء الشبان صورة أكثر قتامة عن الوضع داخل أقسام الاستعجالي، مؤكدة في بيان للرأي العام أن هذه الأقسام تشهد ارتفاعا كبيرا في الوفيات وحالات الإيواء بسبب ضربات الشمس وارتفاع درجات الحرارة. وكشفت المنظمة كذلك عن تسجيل وفيات لسجناء داخل عدد من أقسام الاستعجالي وعن حالة إنهاك قصوى يعيشها الأطباء والممرضون نتيجة الضغط المتزايد على المنظومة الصحية. وشددت المنظمة على أن المصالح المختصة بوزارة الصحة تمتلك معطيات حول الوفيات والمصابين بضربات الشمس وطاقة استيعاب أقسام الإنعاش، لكنها لم تنشر، وفق ما جاء في بيانها، حصيلة وطنية رسمية ومفصلة.
إعلان حالة الطوارئ الصحية
طالبت المنظمة بإعلان حالة الطوارئ الصحية، داعية في الوقت ذاته إلى مساندة مهنيي الصحة والتدخل العاجل لتوفير الظروف الضرورية للعمل والتكفل بالمرضى. وكان مستشفى حبيب بورقيبة بصفاقس أحد أبرز محاور الجدل خلال الساعات الأخيرة بعد تداول أرقام متباينة حول عدد الوفيات والحالات الخطيرة التي استقبلها قسم الاستعجالي. وفي تدوينة نشرها وجيه ذكار رئيس منظمة الأطباء الشبان، تم الحديث عن تسجيل 13 وفاة خلال 24 ساعة، في حين أوردت التدوينة ذاتها معطيات عن 21 حالة ضربة شمس تتطلب الإنعاش وست حالات وفاة من بينها حالة وفاة لسجين، إضافة إلى وجود نحو 40 مريضا في غرفة الإنعاش بقسم الاستعجالي، مقابل طاقة استيعاب مقدرة بـ16 مريضا.
هذه الأرقام، التي تداولتها مصادر ونشطاء في القطاع الصحي، لا تتطابق مع المعطيات الرسمية التي أعلنتها وزارة الصحة، كما أنها لم تدعم في المعطيات المتاحة، بحصيلة وطنية رسمية مفصلة تحدد أسباب الوفاة وتصنيف الحالات المرتبطة مباشرة بموجة الحر وتلك التي تفاقمت بسببها. ويبرز هذا التباين الحاجة إلى نشر بيانات رسمية موحدة ودقيقة خصوصا في ظل حساسية موضوع الوفيات المرتبطة بالحرارة، والتي تتطلب تمييزا طبيا وإحصائيا بين الوفاة بضربة شمس والوفاة نتيجة الإجهاد الحراري والوفيات الناتجة عن تفاقم أمراض مزمنة بسبب ارتفاع درجات الحرارة.
الجمعية التونسية للطب الاستعجالي تحذر من الضغط على الأقسام
وفي خضم هذا الجدل، دعت الجمعية التونسية للطب الاستعجالي كافة الأقسام والمصالح بالمؤسسات الصحية إلى مزيد التعبئة والعمل على توفير أسرّة الإيواء بالأقسام الطبية والاستشفائية وتسهيل توجيه المرضى. واعتبرت الجمعية أن توفير الأسرّة بعد التكفل بالمرضى في أقسام الاستعجالي من شأنه أن يخفف الاكتظاظ ويدعم ظروف عمل الفرق الصحية خاصة في ظل الارتفاع الكبير في درجات الحرارة وتزايد أعداد المرضى الوافدين على أقسام الاستعجالي. كما أكدت دعمها للفرق الطبية والاستشفائية وما قبل الاستشفائية التي تعمل ميدانيا لضمان التكفل بالمرضى، ولا سيما الحالات الاستعجالية الخطيرة والمهددة للحياة. ودعت الجمعية إلى التضامن وروح الزمالة والوحدة بين مختلف مهنيي الصحة، معتبرة أن العمل المشترك والتعاون يمكن أن يساهم في تقديم أفضل خدمة للمرضى في الظرف الاستثنائي الحالي.
الكهرباء والماء والتبريد... جبهة أخرى للأزمة
لم يقتصر الجدل على عدد الوفيات والحالات الخطيرة، بل امتد إلى ظروف العمل داخل عدد من المؤسسات الصحية. وأكدت منظمة الأطباء الشبان عن استمرار انقطاعات الكهرباء في بعض المستشفيات وعن عدم توفر مولدات كهربائية احتياطية في بعض المستشفيات المحلية، مستشهدة بمستشفى الوردانين، كما أشارت إلى انقطاعات متكررة في بعض المستشفيات الجامعية، من بينها مستشفى فرحات حشاد بسوسة ومستشفى المنجي سليم، بحسب المعطيات التي قالت المنظمة إنها بلغتها. كما أثارت المنظمة مسألة انقطاع الماء في بعض المؤسسات، وذكرت مستشفى طاهر صفر بالمهدية كمثال، إلى جانب نقص وسائل التبريد من مكيفات ومراوح وماء بارد وثلج.
منظمة الأطباء الشبان اعتبرت أن الضغط على أقسام الاستعجالي والإنعاش يتفاقم بسبب محدودية طاقة الاستيعاب، مشيرة إلى أن بعض أقسام الإنعاش كانت، بحسب توصيفها، ممتلئة حتى قبل بداية موجة الحر. وحذرت المنظمة من أن وصول أعداد إضافية من المرضى المصابين بضربات الشمس والإجهاد الحراري والأمراض التي تتفاقم بسبب الحرارة قد يدفع بعض الأقسام إلى العمل فوق طاقتها.
بين موجتي جويلية وأوت... هل تغيرت الاستعدادات؟
الموجة الحالية أعادت كذلك إلى الواجهة الانتقادات التي وجهتها منظمة الأطباء الشبان بعد موجة الحر الأولى خلال شهر جويلية. وقالت المنظمة إنها كانت قد نشرت سابقا معطيات حول عدد من الوفيات داخل المؤسسات الصحية، في وقت لم تنشر فيه وزارة الصحة حصيلة وطنية رسمية وشفافة. كما انتقدت المنظمة ما اعتبرته تأخرا في الاستعداد للموجة الثانية، مشيرة إلى أن الوزارة عقدت، بعد أكثر من أسبوعين، جلسة عمل حول الاستعداد المبكر والاستباقي لموجة حر جديدة. واعتبرت المنظمة أن الإجراءات التي أعلنت عنها السلطات لم تنعكس، وفق ما تصفه بالمعاينات الميدانية، على عدد من المؤسسات الصحية التي ظلت تواجه مشاكل مرتبطة بالكهرباء والماء والتبريد والطاقة الاستيعابية.
البرلمان يدخل على خط الأزمة
ولم يبق الجدل الصحي بعيدا عن التجاذبات السياسية، إذ دعا عدد من أعضاء مجلس نواب الشعب، في بيان إلى عقد جلسة عامة استثنائية لمناقشة أوضاع البلاد. وأشار النواب الموقعون على البيان إلى تواتر انقطاعات الماء والكهرباء وتدهور الوضع الصحي وتفاقم ما وصفوه بأعداد ضحايا الاختناق الحراري إلى جانب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية ونقص بعض المواد والخدمات الأساسية. وطالب النواب بعقد جلسة بحضور أعضاء الحكومة لمناقشة حقيقة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والخدماتية ومساءلة السلطة التنفيذية حول أسباب تدهور الخدمات الأساسية والاستماع إلى المسؤولين المعنيين وتقديم المعطيات للرأي العام فضلا عن تحديد المسؤوليات السياسية والإدارية وبحث الإجراءات العاجلة.
633 حالة تكفل صحي وفق وزارة الصحة
أبرز ما تكشفه الأزمة الحالية ليس فقط ارتفاع عدد المرضى الذين يحتاجون إلى التكفل الصحي، بل أيضا وجود فجوة في الاتصال الرسمي حول حجم التداعيات البشرية لموجة الحر، فالرقم الذي أعلنته وزارة الصحة، والمتمثل في 633 حالة استشارة وتكفل صحي مرتبطة بتداعيات موجة الحر بين 1 جويلية و29 أوت، لا يمثل، بحسب صياغته، حصيلة للوفيات، وإنما عدد حالات استشارة وتكفل. في المقابل، تتداول منظمة الأطباء الشبان وأطراف أخرى أرقاما للوفيات والحالات الخطيرة في بعض المؤسسات الصحية والجهات. ولا تبدو موجات الحر المتكررة مجرد أحداث مناخية عابرة، بل أصبحت اختبارا لقدرة المنظومة الصحية على الاستعداد للأزمات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة. ويشمل ذلك الاستعداد اللوجستي، وتوفير الطاقة والماء والتبريد وتأمين مخزون المستلزمات الأساسية وتوسيع طاقة الإنعاش عند الحاجة وتحسين آليات الإحالة بين أقسام الاستعجالي والأقسام الاستشفائية إلى جانب وضع منظومة رصد وإبلاغ سريعة وشفافة.
بين إعلان وزارة الصحة عن 633 حالة تكفل مرتبطة بالحرارة وعدم تسجيل تعطّل في استمرارية الخدمات، وبين تحذيرات منظمة الأطباء الشبان والجمعية التونسية للطب الاستعجالي من الضغط الكبير على أقسام الاستعجالي والإنعاش، تتواصل الأزمة الصحية في ظل غياب حصيلة وطنية مفصلة للوفيات المرتبطة بموجة الحر.