جدلية الفائدة والتضخم: كيف يدير البنك المركزي التونسي معركة الاستقرار النقدي؟
- بقلم زمردة دلهومي
- 15:15 03/07/2026
يمر الاقتصاد التونسي بمرحلة دقيقة من إعادة التشكّل الهيكلي، حيث تتداخل
الضغوط التضخمية الداخلية مع إكراهات الشح المالي الخارجي وضيق الهوامش الموازناتية، مما يضع السياسة النقدية والمالية أمام اختبار صعب للموازنة بين فرض الاستقرار المالي ودفع عجلة النمو المنكمشة. وفي قلب هذه المعادلة الصعبة، يبرز البنك المركزي التونسي كفاعل رئيسي يدير معركة كبح جماح الأسعار وحماية القدرة الشرائية عبر أدواته النقدية التقليدية. هذه المعركة، وإن نجحت نسبياً في كسر المنحى التصاعدي الحاد للتضخم، إلا أنها تفرض كلفة ملموسة على مستوى تمويل الاستثمار الخاص ومحركات الإنتاج الحقيقية، مما يفتح باب النقاش واسعاً حول حدود المقاربة النقدية الصرفة في معالجة أزمات ذات طبيعة هيكلية معقدة.
كسر طوق التضخم والتمسك بالحذر
تكشف البيانات الإحصائية الأخيرة الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء عن ملامح انفراج نسبي وبداية استقرار في مسار الأسعار عند الاستهلاك؛ حيث استقرت نسبة التضخم المالي في البلاد عند حدود 7.2%. ويمثل هذا الرقم تراجعاً ملحوظاً واستقراراً مهماً بالمقارنة مع المستويات القياسية والمقلقة التي سجلها المؤشر العام للأسعار بين أواخر سنة 2023 ومطلع سنة 2024 حين تخطت عتبة 10% وبدأت بتهديد السلم الاجتماعي.
هذا المنحى التنازلي لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة تغيرات ظرفية في الأسواق، بل جاء نتاجاً مباشراً لسياسة نقدية متشددة وصارمة انتهجها مجلس إدارة البنك المركزي التونسي، الذي واصل التمسك بـ "الحذر النقدي" عبر الإبقاء على نسبة الفائدة المديرية (Taux Directeur) في مستوى 8%. وتستهدف هذه المقاربة الصارمة تجفيف منابع السيولة المفرطة في السوق، والحد من القروض الاستهلاكية، وتقليص الطلب العام، كخط دفاع أول وأساسي لحماية العملة الوطنية ومنع انزلاق البلاد نحو دوامة التضخم الدائري التي يصعب السيطرة عليها لاحقاً.
كلفة الائتمان ومأزق الاستثمار الخاص
رغم النوايا الحمائية والأهداف الاستراتيجية التي تقف وراء تثبيت الفائدة عند مستوى 8%، فإن التداعيات الجانبية والآثار العكسية لهذه السياسة بدأت تظهر بوضوح على هيكل القروض الموجهة للاستثمار والإنتاج. إن إبقاء نسبة الفائدة المديرية عند هذا المستوى المرتفع يرفع تمديدياً وبشكل آلي من كلفة التمويل ونسبة الفائدة في السوق النقدية (TMM) بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية. وتعد الشركات الناشئة والصغرى والمتوسطة المتضرر الأكبر من هذا الإجراء، وهي التي تمثل العمود الفقري للنسيج الإنتاجي والتشغيلي التونسي.
وفي ظل شروط ائتمان مكلفة ونسب مديونية مرتفعة، تجد الكثير من الشركات نفسها عاجزة عن اقتراض الأموال اللازمة للتوسع، أو تجديد آلاتها، أو الاستثمار في البحث والتطوير، مما يعطل ديناميكية الاستثمار الخاص ويساهم مباشرة في إبطاء معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي التي سجلت مستويات متواضعة للغاية في الفترات الأخيرة بنحو 0.2%. وتتحول السياسة النقدية هنا من أداة لتحقيق الاستقرار العام إلى عامل ضغط إضافي يقلص هوامش مناورة القطاع الخاص الحقيقي، ويدفع البنوك نحو تفضيل إقراض الدولة أو التوجه نحو التوظيفات المالية قصيرة الأجل والأقل مخاطرة على حساب تمويل المشاريع المنتجة للثروة.
النقد الاجنبي وحصانة العملة الصعبة
يظهر الشق الخارجي للاقتصاد التونسي مرونة غير متوقعة وصموداً هيكلياً ساهم بشكل فعال في تخفيف حدة الضغط على التوازنات الخارجية والاحتياطيات الاستراتيجية للبلاد. فقد سجل الميزان التجاري الغذائي تحسناً ملموساً ونوعياً، مدفوعاً بظرفية دولية ملائمة وقوة تنفيذية وتسويقية عالية في صادرات قطاعي زيت الزيتون والتمور، وهي قطاعات حيوية نجحت في جلب عوائد قياسية وضخمة من العملة الأجنبية إلى الخزينة العامة.
هذا الأداء التصديري المتميز، مدعوماً باستمرار التدفقات النقدية القادمة من تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج وعائدات القطاع السياحي من النقد الاجنبي ، نجح في إعادة بناء مظلة الأمان النقدي للبلاد وتأمين المدفوعات الخارجية. وقد انعكس ذلك إيجاباً على احتياطي تونس من العملة الصعبة ليتجاوز ما يعادل 110 يوماً من التوريد. تمنح هذه الحصانة النقدية البنك المركزي هامش مناورة حيوياً ومستقراً للحفاظ على استقرار سعر صرف الدينار أمام العملات الأجنبية الرئيسية كاليورو والدولار، مما يساهم بشكل مباشر في منع صدمات "التضخم المستورد" الناتجة عن تقلبات أسعار الطاقة والمواد الأساسية في الأسواق العالمية.
إن معركة الاستقرار النقدي وكبح الأسعار التي يقودها البنك المركزي التونسي تشارف على صياغة توازنات جديدة في المشهد المالي، لكنها تظل خطوة منقوصة ومحدودة الأثر ما لم تترابط بشكل وثيق مع حزمة من الإصلاحات الهيكلية الشاملة التي تتجاوز مربع السياسة النقدية الصرفة.
ان التحكم في التضخم عبر أداة رفع الفائدة هو في نهاية المطاف آلية لتسكين الألم وتقليص الأعراض، وليس علاجاً حقيقياً لأصل المرض الاقتصادي؛ إذ لا يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام دون معالجة العجز المزمن للموازنة العامة، وإصلاح مسالك التوزيع المعقدة لمكافحة الاحتكار والمضاربة، ورفع إنتاجية القطاعات الاستراتيجية المعطلة كالفوسفاط والطاقة والمناجم.
وفي نهاية المطاف، سيبقى الاقتصاد التونسي بحاجة ماسة إلى صياغة توليفة و سياسة ذكية تفك الارتباط الشرطي بين كبح الأسعار وخنق الاستثمار، لضمان الانتقال الآمن من مرحلة الصمود النقدي الحذر إلى مرحلة الإقلاع الاقتصادي الفعلي والمستدام.
آخر مقالات زمردة دلهومي
- السيادة الاقتصادية الجديدة: التمويل الأخضر طوق نجاة الصناعة التونسية
- من الطريق السيارة إلى الطريق الذكية: تونس تدخل عصر إدارة المرور بالبيانات
- الاستثمارات الآسيوية في تونس: من هامش الحضور إلى رهان الشراكة الصناعية
- السياحة التونسية تعبر عتبة الأرقام القياسية وتدخل اختبار القيمة المضافة
- تونس والهيدروجين الأخضر.. شمال إفريقيا على بوابة صناعة الطاقة الجديدة