بحركة المطارات والشواطئ في فصل الصيف، بل أصبحت أحد أهم روافد الاقتصاد التونسي للعملة الأجنبية، ومؤشراً مباشراً على قدرة البلاد على استعادة موقعها في الخريطة المتوسطية.
تكشف أحدث البيانات الرسمية المتاحة، إلى حدود أواخر أوت 2026، أن القطاع السياحي يواصل تحقيق نمو نقدي متدرج، في وقت تجاوز فيه عدد السياح الوافدين عتبة 11 مليوناً سنة 2025، فيما تتجه وزارة السياحة إلى استهداف أكثر من 12 مليون زائر خلال السنة الحالية.
وتبرز الأرقام الأخيرة أهمية السياحة في معادلة التمويل الخارجي، فقد بلغت العائدات السياحية المتراكمة إلى غاية 20 أوت 2026 نحو 5.1275 مليار دينار، مقابل 4.885 مليار دينار خلال الفترة ذاتها من سنة 2025، أي بزيادة قدرها 242.5 مليون دينار وبنسبة تقارب 5%. وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة في اقتصاد يواجه ضغطاً متواصلاً على حاجياته من العملة الصعبة، إذ جاءت مداخيل السياحة، إلى جانب تحويلات التونسيين بالخارج، لتوفر تدفقات قاربت 11 مليار دينار خلال الفترة نفسها.
ولا تبدو ديناميكية 2026 منفصلة عن مسار بدأ يتبلور منذ 2024. فقد سجلت تونس في 2024 نحو 10.3 مليون سائح، بينما بلغت العائدات السياحية حوالي 7.6 مليار دينار، قبل أن ترتفع في 2025 إلى 8.0969 مليار دينار، وفق مؤشرات البنك المركزي، بزيادة سنوية تقارب 6.5%. وبذلك لم يعد تجاوز حاجز 11 مليون سائح مجرد هدف ترويجي، بل تحول إلى مستوى فعلي من الطلب الخارجي على الوجهة التونسية.
غير أن القراءة الاقتصادية الأعمق للأرقام تقتضي تجاوز عدّ الوافدين إلى قياس القيمة التي يتركها كل زائر داخل الاقتصاد. وهنا تكتسب نتائج الحساب القمر الصناعي للسياحة الذي نشره المعهد الوطني للإحصاء أهمية استثنائية. فقد بلغت النفقات السياحية الداخلية في 2024 نحو 16.12 مليار دينار، استحوذ الزوار الدوليون على 11.82 مليار دينار منها، أي 73.3%. أما القيمة المضافة المباشرة للسياحة فقد بلغت 7.84 مليار دينار، بما يعادل 5.2% من القيمة المضافة الإجمالية، في حين بلغ الناتج المحلي الإجمالي المباشر للسياحة 8.07 مليار دينار، بنسبة 5.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
هذه المؤشرات تكشف أن أهمية القطاع لا تختزل في مداخيله بالعملة الأجنبية فقط فالسياحة ترتبط بسلاسل واسعة من النشاط الاقتصادي تشمل النقل، والصناعات الغذائية، والفلاحة، والصناعات التقليدية، والخدمات، والتجارة، والثقافة، والترفيه. وكلما ارتفعت حصة الإنفاق الذي يتم خارج الفندق، ارتفعت قدرة السياحة على خلق قيمة موزعة جغرافياً وقطاعياً، بدل أن تتركز الدورة الاقتصادية في الإيواء والإطعام فقط.
وفي المقابل، تظل بنية الطلب السياحي أحد أكبر الملفات التي تحتاج إلى إعادة النظر. فالسوق الأوروبية ما تزال المصدر الأساسي للتدفقات السياحية، فيما تمثل سياحة الجوار جزءاً مهماً من حركة العبور، وهو ما يجعل تونس عرضة نسبياً لتقلبات الأسواق الخارجية وتغيرات القدرة الشرائية والنقل الجوي. وفي هذا السياق، يصبح تنويع الأسواق والمنتوج السياحي أكثر من خيار تسويقي؛ إنه قرار اقتصادي مرتبط بتوزيع المخاطر ورفع متوسط الإنفاق وإطالة مدة الإقامة.
وتشير المؤشرات الرسمية إلى أن التحول بدأ يأخذ أشكالاً جديدة، من السياحة الصحراوية والواحية والثقافية إلى السياحة الرياضية، حيث ارتفع عدد زوار ملاعب الغولف في 2025 من نحو 67 ألفاً إلى قرابة 83 ألفاً، بزيادة تقارب 24%. كما تراهن تونس على توسيع حضورها في الأسواق غير التقليدية، بالتوازي مع تطوير الربط الجوي، بما في ذلك خطوط جديدة تربط الوجهات التونسية بأسواق أوروبية.
لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى 12 مليون سائح بقدر ما يكمن في قدرة الاقتصاد على تحويل كل مليون إضافي إلى قيمة مضافة أكبر. فالزيادة الكمية تصبح أقل أهمية إذا رافقها ضغط على البنية التحتية والموارد المائية والبيئية، أو إذا ظلت حصة كبيرة من الإنفاق محصورة في نمط إقامة شامل لا يخلق روابط كافية مع بقية الاقتصاد المحلي. لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في جودة الإيواء، والنقل، والرقمنة، والمنتجات الثقافية والطبيعية، إلى جانب تحسين تجربة السائح خارج الوحدات الفندقية.
وتمنح أرقام 2026 القطاع هامشاً جديداً للحركة، لكنها في الوقت نفسه ترفع سقف الانتظارات. فالسياحة التونسية نجحت في استعادة حجم الطلب، والخطوة التالية هي الانتقال من منطق استعادة الأعداد إلى منطق تعظيم العائد الاقتصادي. وبين 5.1 مليار دينار من المداخيل المسجلة إلى 20 أوت و8.1 مليار دينار خلال كامل 2025، تبدو المسألة المقبلة أقل ارتباطاً بعدد القادمين وأكثر ارتباطاً بما يستهلكه الزائر، وما يتركه من قيمة، وما يبقى منه داخل الجهات والمؤسسات التونسية.
وفي هذا التحول تحديداً يكمن مستقبل السياحة التونسية ليس في مطاردة رقم قياسي جديد للوافدين، وإنما في بناء قطاع أكثر إنتاجية، أطول موسماً، أوسع جغرافياً، وأكثر اندماجاً مع الاقتصاد الوطني. فإذا كانت تونس قد أثبتت قدرتها على استعادة السائح، فإن الاختبار الاقتصادي الحقيقي يبدأ الآن من تحويل تدفق الزوار إلى استثمار، وإنفاق إلى قيمة مضافة، وموسم سياحي إلى محرك نمو مستدام وخالق للثروة و مواطن الشغل .