الاستثمارات الآسيوية في تونس: من هامش الحضور إلى رهان الشراكة الصناعية

لم تعد الاستثمارات الآسيوية بالنسبة إلى تونس مجرد

فرصة لتنويع مصادر التمويل والشراكات، بل أصبحت ورقة اقتصادية يمكن أن تعيد رسم موقع البلاد داخل سلاسل القيمة العالمية. ففي الوقت الذي تبحث فيه تونس عن أسواق جديدة واستثمارات قادرة على خلق الثروة والتشغيل ونقل التكنولوجيا، تتجه أنظار الشركات الآسيوية بدورها إلى موقع تونس القريب من أوروبا، وإلى اليد العاملة المؤهلة، وإلى إمكانية النفاذ إلى أسواق إقليمية واسعة. وبين الطرفين تبدو المعادلة واعدة، لكن تحويلها إلى استثمارات فعلية ومستدامة يتطلب أكثر من اتفاقيات ومذكرات تفاهم.

وتأتي هذه الديناميكية في سياق تحسن لافت في مؤشرات الاستثمار الخارجي. فقد بلغت الاستثمارات الدولية في تونس خلال سنة 2025 نحو 3572.1 مليون دينار، بزيادة 30.3 بالمائة مقارنة بسنة 2024، فيما بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة وحدها 3506.5 مليون دينار، بارتفاع 30.1 بالمائة. واستحوذت الصناعات المعملية على 62.6 بالمائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، بما يعكس استمرار جاذبية تونس للأنشطة الصناعية الموجهة للتصدير.

وفي قلب هذه الصورة تظهر الاستثمارات الآسيوية، وإن بقي حضورها أقل من نظيره الأوروبي من حيث الحجم، إلا أن نوعية المشاريع تكتسب أهمية متزايدة. فالشركات الكورية واليابانية حاضرة في قطاعات صناعية ذات قيمة مضافة، من مكونات السيارات إلى الصناعات الكهربائية والإلكترونية. وتواصل شركات مثل الكورية الجنوبية «Yura Corporation» توسعة نشاطها في القيروان، فيما تعمل «Sumitomo Electric Bordnetze» اليابانية على تطوير وحداتها في جندوبة، بينما تملك «Yazaki» حضوراً في قفصة. وهي مشاريع تكشف أن الاستثمار الآسيوي قادر على تجاوز منطق السوق المحلية نحو بناء منصات إنتاج وتصدير.

أما الصين، فتبدو فرصها أوسع من الاستثمارات الصناعية التقليدية، بالنظر إلى اهتمام شركاتها بالطاقة والبنية التحتية والنقل والمياه والتكنولوجيا. وقد عبّرت مجموعة «POWERCHINA» عن اهتمام بتوسيع نشاطها في تونس في مجالات تتقاطع مع الأولويات الاقتصادية للبلاد، فيما تجاوز حجم المبادلات التجارية التونسية الصينية 9.2 مليار دينار سنة 2024، مع وجود فرص تصديرية تونسية غير مستغلة نحو السوق الصينية تتجاوز قيمتها 214 مليون دولار، وفق المعطيات التي نقلتها وكالة تونس إفريقيا للأنباء.

غير أن استقطاب الاستثمارات الآسيوية لا يمكن أن يقوم على الموقع الجغرافي وحده. المستثمر الياباني أو الكوري أو الصيني يبحث قبل كل شيء عن وضوح القواعد، وسرعة التراخيص، واستقرار التشريعات، ونجاعة الخدمات اللوجستية، وتنافسية الطاقة، وقدرة الإدارة على مواكبة المشروع بعد إطلاقه. وتحتاج تونس إلى الانتقال من سياسة جذب المستثمر إلى سياسة إدارة دورة حياة الاستثمار، أي مرافقة المؤسسة منذ قرار التوطين إلى مرحلة التوسع والتصدير والبحث والتطوير.

وتزداد أهمية هذا التحول مع استمرار تركّز الاستثمار في المناطق الساحلية. فقد استحوذت منطقة تونس الكبرى والمناطق المحيطة بها على نحو 64 بالمائة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خارج الطاقة سنة 2025، وهو ما يجعل استقطاب الاستثمارات الآسيوية إلى القيروان والقصرين وقفصة وجندوبة وسائر الجهات الداخلية تحدياً اقتصادياً بقدر ما هو خيار تنموي.

وتملك تونس في المقابل عناصر قوة يصعب تجاهلها  كموقعها الاستراتيجي المطل على حوض البحر الأبيض  المتوسط، وقربها من  الأسواق الأوروبية، بالاضافة الى قاعدة صناعية قائمة، وكفاءات بشرية، وتجربة طويلة في الصناعات الميكانيكية والكهربائية ومكونات السيارات. كما أن الاتفاق المبدئي بين تونس واليابان في أفريل 2026 بشأن اتفاقية للاستثمار يمكن أن يعزز الإطار القانوني ويمنح العلاقات الاستثمارية بين البلدين مزيداً من الاستقرار والوضوح.

لكن الرهان الحقيقي يبدأ بعد دخول المستثمر. فالاستثمار الذي يخلق آلاف الوظائف لكنه يبقى أسير نشاط منخفض القيمة المضافة لا يكفي لبناء اقتصاد تنافسي. المطلوب هو استقطاب مشاريع تنقل التكنولوجيا، وتطور الموردين المحليين، وتفتح مراكز للبحث والتطوير، وتزيد نسبة الإدماج المحلي، وتربط تونس بشبكات الإنتاج الآسيوية والأوروبية في آن واحد.

وفي النهاية، لا تحتاج تونس إلى سباق أرقام في الاستثمارات بقدر حاجتها إلى تغيير طبيعة الاستثمار نفسه. فالهدف ليس فقط أن تأتي الشركات الآسيوية إلى تونس، بل أن تجد فيها سبباً للبقاء والتوسع. وعندما تتحول تونس من محطة إنتاج قريبة من أوروبا إلى شريك صناعي وتكنولوجي حقيقي، يصبح الاستثمار الآسيوي أكثر من تدفق مالي عابر بل  يصبح جسراً بين الاقتصاد التونسي ومراكز النمو الجديدة في آسيا، وفرصة لإعادة بناء موقع تونس في خريطة الاقتصاد العالمي على أساس القيمة المضافة لا على أساس انخفاض الكلفة فقط.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115