السياسة النقدية في تونس : بين حاجة الاقتصاد إلى التمويل ومخاطر التضخم

تدخل السياسة النقدية في تونس مرحلة دقيقة تتزامن

فيها حاجة الاقتصاد إلى مزيد من التمويل مع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع الكتلة النقدية. وفي الوقت نفسه، تكشف أزمات الماء والكهرباء التي شهدتها البلاد خلال  الصيف عن اختلالات أعمق تتصل بالاستثمار والبنية التحتية والإنتاج، وهي ملفات لا تستطيع السياسة النقدية وحدها معالجتها.

أبقى البنك المركزي التونسي في اجتماعه الأخير سعر الفائدة الرئيسي عند 7 %، في ظل تراجع نسبي للتضخم مقابل استمرار المخاطر التي يمكن أن تدفع الأسعار إلى الارتفاع. وبلغ التضخم 5.1% في جويلية وهو ما يدفع السياسة النقدية إلى مواصلة الحذر.

في المقابل، يحتاج الاقتصاد إلى تمويل أكبر لدعم الاستثمار والإنتاج. فارتفاع كلفة الاقتراض لا يساعد المؤسسات على مزيد الاستثمار، كما يمكن أن يحد من قدرة المستثمرين على إطلاق مشاريع جديدة، في وقت تحتاج فيه تونس إلى رفع الاستثمار وتحسين الإنتاجية وخلق فرص العمل.

لكن المشكلة لا تتوقف عند مستوى سعر الفائدة. فقد بلغ النقد المتداول نحو 30 مليار دينار في 27 أوت، بزيادة تقارب 16% مقارنة بالعام الفارط، وهو مستوى قياسي. ويرتبط جزء من هذا الارتفاع بتغير سلوك المتعاملين بعد تشديد القواعد المتعلقة بالشيكات، إضافة إلى استمرار الاعتماد الكبير على الدفع النقدي إن ارتفاع النقد المتداول يضيف تعقيدا جديدا أمام السياسة النقدية.

وفي الجهة الأخرى، فإن استمرار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة يرفع كلفة التمويل ويزيد الضغط على المؤسسات والأسر. لذلك تبدو السياسة النقدية مطالبة بالمحافظة على استقرار الأسعار من جهة، وتوفير ظروف تمويل تساعد الاقتصاد على النمو من جهة أخرى.

وتأتي هذه المعضلة في وقت تعيش فيه البلاد أزمة في الخدمات الأساسية. فقد أدت موجات انقطاع الماء والكهرباء خلال الصيف إلى احتجاجات في عدد من المناطق، في ظل ارتفاع الطلب على الكهرباء وتزايد الضغط على الشبكة خلال موجات الحرارة.

 

هذه الأزمة تكشف حدود تأثير السياسة النقدية. فخفض سعر الفائدة يمكن أن يجعل التمويل أقل، لكنه لا يعوض سنوات من ضعف الاستثمار في شبكات الكهرباء والمياه، ولا يرفع الإنتاج الوطني من الطاقة في الأجل القصير. كما أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب استثمارات كبيرة وتخطيطاً طويل الأمد وتحسيناً في أداء المؤسسات العمومية.

وتظهر تداعيات الأزمة أيضاً في النشاط الاقتصادي نفسه. فقد تضررت مؤسسات سياحية وتجارية من انقطاعات الكهرباء والماء، مع تسجيل خسائر في عدد من المناطق التي تعتمد على السياحة والخدمات.

لذلك، فإن معالجة الوضع الاقتصادي في تونس تحتاج إلى ما هو أبعد من قرار يتعلق بسعر الفائدة. فالتيسير النقدي يمكن أن يكون أداة لدعم التمويل عندما تسمح الظروف التضخمية بذلك، كما أن تثبيت الفائدة يمكن أن يكون ضرورياً عندما تستمر مخاطر الأسعار. لكن أيا من الخيارين لا يستطيع بمفرده حل مشاكل الطاقة والمياه والاستثمار والإنتاج.

وتبقى قدرة السياسة الاقتصادية على الجمع بين السياسة النقدية والاستثمار العمومي والإصلاحات الهيكلية عاملاً أساسياً في تحويل النمو الاقتصادي إلى نشاط أكثر استقرارا وفي تخفيف الضغوط التي أصبحت تظهر ليس فقط في المؤشرات المالية، بل أيضاً في الخدمات اليومية وفي قدرة المؤسسات على مواصلة نشاطها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115