تزايد الأزمات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقي واضطراب سلاسل الإمدادات العالمية، وما نتج عنه من ارتفاع في الأسعار. وفي ظل هذه التحولات باتت الدول أكثر ميلا إلى تقديم مصالحها الوطنية عند رسم سياساتها الاقتصادية حتى وان تعارض ذلك مع قواعد التجارة الدولية. ولا تعني القومية الاقتصادية بالضرورة الانغلاق على الاقتصاد العالمي بقدر ما تعكس توجهاً نحو تعزيز قدرة الدولة على حماية مصالحها الاستراتيجية وتقليص مواطن التبعية للخارج.
وتزداد أهمية هذا التوجه بالنسبة إلى الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتأمين حاجاتها الأساسية ولا سيما الغذاء والطاقة كما هي الحال في تونس. فمع تعرض الأسواق العالمية للصدمات وتزايد كلفة الواردات تبرز مسألة قدرة الاقتصاد التونسي على تأمين جزء أكبر من حاجاته محليا وإدارة انفتاحه على العالم بما يحافظ على مصالحه الوطنية.
يرتبط الاقتصاد التونسي بشكل كبير بالأسواق الخارجية سواء عبر التجارة أو الاستثمار أو الطاقة. وتكشف أرقام المعهد الوطني للإحصاء أن صادرات تونس بلغت خلال السداسي الاول من العام الحالي نحو 40.6 مليار دينار، مقابل واردات في حدود 55.6 مليار دينار بما أدى إلى عجز تجاري بلغ نحو 15 مليار دينار. هذه الأرقام لا تعكس فقط مشكلة في الميزان التجاري بل تكشف حجم الاعتماد المتبادل بين الاقتصاد التونسي والاقتصاد العالمي. فقد مثل الاتحاد الأوروبي نحو 70.4% من الصادرات التونسية خلال الفترة المرجع فيما مثل 45.3% من الواردات. وفي المقابل ارتفعت الواردات القادمة من الصين وتركيا، بما يعكس استمرار اعتماد الاقتصاد على الخارج لتوفير جزء من حاجاته.
تكمن الإشكالية بالنسبة إلى تونس في مدى قدرتها على تحديد القطاعات التي يمكن إبعادها جزئيا على تقلبات السوق العالمية وضمان حد أدنى من أمنها الغذائي والطاقي فاعتماد قومية اقتصادية في الحالة التونسية غير ممكنة باعتبارها تحتاج إلى الأسواق الخارجية والعملات الأجنبية والتكنولوجيا والاستثمار. فقد أظهرت الأزمات الجيوسياسية والصراعات وارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات سلاسل التوريد والقيود التجارية التي تفرضها الدول الكبرى كلها أن الدول نفسها تعود إلى حماية مصالحها عندما يتعلق الأمر بالقطاعات الإستراتيجية.
يبدو قطاع الطاقة المثال الأكثر هشاشة فعندما تحتاج الدولة إلى استيراد جزء كبير من حاجاتها من الطاقة، تصبح الأسعار العالمية وأسعار الصرف والاضطرابات الجيوسياسية عوامل تؤثر مباشرة في المالية العمومية والميزان التجاري والأسعار الداخلية. وتظهر بيانات التجارة الخارجية للسداسي الأول أن العجز الطاقي بلغ 7.9 مليار دينار، مقابل عجز جملي قدره 7 مليار دينار دون احتساب قطاع الطاقة. أي أن الطاقة وحدها شكلت أكثر من نصف العجز التجاري الإجمالي لتونس. ولهذا تصبح إدارة وترشيد الواردات قضية سيادة اقتصادية. فالاستثمار في الطاقات المتجددة وتطوير الإنتاج المحلي وتقليص التبعية الطاقية تتحول كلها إلى أدوات لحماية القرار الاقتصادي الوطني وان كان اليوم هدف صعب التحقق.
الحقيقة الثابتة أن تونس لا تستطيع إنتاج كل ما تحتاجه لكنها تستطيع تحديد المنتجات الاستراتيجية التي يصبح الاعتماد المفرط على استيرادها خطرا في أوقات الأزمات. وتكشف بيانات التجارة الخارجية للسداسي الاول من العام الحالي أن تونس سجلت عجزاً في المواد الأولية ونصف المصنعة بقيمة 3.8 مليار دينار، وفي مواد التجهيز بنحو 2.6 مليار دينار وفي المواد الاستهلاكية بنحو 1.6 مليار دينار بينما سجل قطاع الغذاء فائضاً بقيمة 1 مليار دينار. وأمام تونس تحديات تتمثل في حاجة المؤسسات إلى الأسواق الخارجية وخاصة السوق الأوروبية التي تستقبل الحصة الأكبر من الصادرات. ومن جهة أخرى فإن الاعتماد الكبير على سوق واحدة يمكن أن يتحول إلى مصدر هشاشة عند أي تغير.
لذلك فإن القومية الاقتصادية التونسية لا يمكن أن تقوم على الانغلاق بل على تنويع الشركاء والأسواق. وتحتاج تونس إلى صيغة خاصة بها من القومية الاقتصادية لا تستنسخ تجارب الدول الكبرى ولا تعود إلى نموذج الاقتصاد المغلق فالدولة التونسية لا تملك حجم السوق أو الموارد التي تسمح لها ببناء اقتصاد مكتفٍ بذاته لكنها تملك القدرة على تحديد أولوياتها التي تبدأ من الطاقة ثم الأمن الغذائي ثم الصناعات ذات القيمة المضافة.