حيث يتوازى ارتفاع معدل البطالة العام الذي بلغ 16% مع استقراره عند مستويات قياسية تقارب 25% بين حملة الشهادات العليا مع عجز صارخ تشتكي منه المؤسسات الإنتاجية في العثور على يد عاملة مؤهلة، رغم أن نسبة التشغيلية لخريجي التكوين المهني تتجاوز 70% وتصل إلى 90% في بعض الاختصاصات الدقيقة. هذه الفجوة الهيكلية تثير تساؤلات حارقة حول الفاعلية الحقيقية لمنظومة التدريب فهل تلبي برامجها الراهنة الاحتياجات الفعلية لسوق الشغل؟ ما هي الاختصاصات الوظيفية التي تصنع الفارق الاقتصادي اليوم؟ وما الذي يحول دون تحول التكوين إلى خيار أول للشباب التونسي بدل كونه ملاذاً أخيراً؟
بين التنظير ومتطلبات السوق
تُظهر البيانات الإحصائية الاقتصادية الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والوكالة التونسية للتكوين المهني أن عمق الأزمة التشغيلية لا يرتبط بنقص الوظائف بقدر ما يتعلق بظاهرة عدم التوافق بين المؤهلات واحتياجات السوق. فبينما يواصل التعليم العالي التقاليدي ضخ عشرات الآلاف من الخريجين سنوياً في اختصاصات إنسانية ونظرية مشبعة، تعاني القطاعات الصناعية والتقنية الحيوية من شغورات متواصلة تؤثر مستويات الإنتاجية والنمو. هذا الخلل الهيكلي يفرض إعادة صياغة جذرية لفلسفة التوجيه، لجعل التكوين المهني الأداة الأسرع لادماج الشباب وإعادة توجيه الطاقات الوطنية نحو القطاعات ذات القيمة المضافة.
قطاعات واعدة
تكشف القراءة المتأنية لديناميكية الاقتصاد التونسي أن خريطة الطلب تتركز أساساً في القطاعات التصديرية والتكنولوجية. يأتي قطاع صناعة مكونات السيارات والطيران -الذي يضم أكثر من 120 مؤسسة تصديرية كبرى- في صدارة المشهد، وسط طلب متزايد على تقنيين سامين في الميكاترونيك، الصيانة الصناعية، والآلية والتحكم. بالتوازي، يشهد قطاع تكنولوجيات المعلومات والاتصالات ندرة في مطوري البرمجيات، وفنيي شبكات الاتصال، ومتخصصي الأجهزة المدمجة. كما تحافظ مجالات الطاقة المتجددة، التركيب الكهربائي، التكييف والتبريد الصناعي، والخدمات اللوجستية على جاذبيتها كقطاعات مشغلة تبحث عن كفاءات تتمتع بتكوين تطبيقي دقيق.
عقبات هيكلية
رغم الرهانات الكبرى، تعترض مسار التكوين المهني في تونس تحديات هيكلية تعيق استغلال طاقته القصوى. تتمثل أولى هذه العقبات في الحاجة المستمرة لتحديث المناهج والتجهيزات في بعض المراكز لتواكب التسارع التكنولوجي للشركات. وتزداد المعضلة مع استمرار الوصمة الاجتماعية النمطية التي تجعل فئات واسعة تنظر للتكوين كدرجة ثانية مقارنة بالشهادات الجامعية. أضف إلى ذلك الحاجة لتطوير الأطر التشريعية لتوسيع نطاق الشراكة المباشرة بين القطاعين العام والخاص في إدارة وتأطير البرامج التدريبية الميدانية.
فرص الإدماج والآفاق الدولية
في المقابل، يفتح التكوين المهني آفاقاً رحبة نحو التمكين الاقتصادي وبناء المسارات المهنية المستقلة، إذ يمنح خريجيه المهارات العملية اللازمة لبعث المشاريع الخاصة والمؤسسات الناشئة بعيداً عن انتظار الوظيفة العمومية. كما أدت الاتفاقيات ومذكرات الشراكة مع الشركاء الدوليين مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، إلى فتح أبواب التوظيف الخارجي والهجرة النظامية لليد العاملة المؤهلة في مجالات الميكانيك، الرعاية الصحية، والبناء. هذا البعد الدولي يمنح الشهادات المهنية التونسية قيمة استراتيجية تجعلها منافساً حقيقياً في سوق العمل العابر للحدود.
إن العبور بنجاح نحو اقتصاد المهارات في تونس يقتضي الانتقال بالتكوين المهني من سياسة امتصاص البطالة إلى استراتيجية استباقية لصناعة الثروة. لن يتحقق ذلك إلا بربط مراكز التكوين بشبكات الإنتاج المباشرة، وتحديث المناهج لتواكب التحولات الرقمية والبيئية، فمستقبل الشغل لم يعد لمن يحمل الشهادة الأطول، بل لمن يمتلك المهارة الأكثر قدرة على الابتكار والاستجابة لواقع الاقتصاد الميداني.