احتياطيات النفط والغاز، بل باتت تُقاس أيضاً بقدرة الدول على إنتاج طاقة نظيفة بتكلفة تنافسية ونقلها إلى حيث يوجد الطلب. وفي هذا التحول السريع، تجد شمال إفريقيا نفسها أمام فرصة نادرة، لما تتوفر عليه من موارد شمسية وأراضٍ قابلة لاحتضان المشاريع، وقرب جغرافي من أوروبا، وشبكات طاقة يمكن تطويرها لخدمة اقتصاد جديد، وفي مقدمة هذه الخريطة تبرز تونس، لا بحجم مواردها مقارنة بجيرانها فحسب، وإنما بموقعها المتوسطي واتصالها المباشر المحتمل بالسوق الأوروبية.
لكن الطريق من الإمكانات إلى الثروة ليس مستقيماً، فالهيدروجين الأخضر لا يزال سوقاً في طور التشكل، والاستثمارات المعلنة أكبر بكثير من المشاريع التي وصلت فعلاً إلى مرحلة التنفيذ. لذلك فإن الرهان الاقتصادي الحقيقي لا يتعلق بمن يستطيع إنتاج أكبر كمية من الهيدروجين، وإنما بمن يستطيع تمويله، وبيعه، ونقله، والأهم تحويله إلى صناعة وقيمة مضافة محلية.
سوق عالمية تتجاوز عتبة المائة مليون طن
تكشف أحدث بيانات الوكالة الدولية للطاقة أن الطلب العالمي على الهيدروجين تجاوز 100 مليون طن في 2025، مدفوعاً أساساً بالتكرير والصناعات الكيميائية والاستخدامات التقليدية. أما التطبيقات الجديدة المرتبطة بالتحول الطاقي فلا تزال تمثل حصة صغيرة جداً من السوق. وفي المقابل، ارتفع إنتاج الهيدروجين منخفض الانبعاثات بنحو 20% خلال 2025 ليقترب من مليون طن، ويتوقع أن يتجاوز 1% من الإنتاج العالمي في 2026.
هذه الأرقام تكشف مفارقة أساسية فالسوق ضخمة، لكن الهيدروجين الأخضر لم يتحول بعد إلى سلعة عالمية واسعة التداول. وتظل كلفة الإنتاج، وعدم وضوح الطلب، ونقص البنية التحتية، وتعقيدات التنظيم والتمويل من أبرز العوائق أمام الانتقال من المشاريع المعلنة إلى الاستثمار الصناعي الفعلي. كما لم تتجاوز اتفاقيات شراء الهيدروجين منخفض الانبعاثات الجديدة 1.7 مليون طن سنوياً في 2025، ولم يكن سوى نحو خمسها مدعوماً بالتزامات تعاقدية ثابتة.
أوروبا تبحث عن طاقة نظيفة
بالنسبة إلى أوروبا، يمثل الهيدروجين جزءاً من معادلة أوسع لإزالة الكربون من الصناعات التي يصعب تشغيلها بالكهرباء المباشرة، وفي مقدمتها الصناعات الثقيلة والكيماويات وبعض أنشطة النقل. وقد وضعت خطة و هدفاً لإنتاج 10 ملايين طن من الهيدروجين المتجدد داخل الاتحاد الأوروبي واستيراد 10 ملايين طن أخرى سنوياً بحلول 2030.
غير أن الفجوة بين الهدف والواقع تظل واسعة. فالسوق الأوروبية تحتاج إلى عقود شراء طويلة الأجل وإلى تمويل يخفف فارق التكلفة بين الهيدروجين المتجدد والهيدروجين المنتج من الوقود الأحفوري. ولذلك أصبح إنشاء الطلب نفسه جزءاً من سياسة الطاقة الأوروبية، وليس مجرد نتيجة تلقائية لتطور الإنتاج.
وهنا تكتسب شمال إفريقيا أهمية خاصة فالقرب الجغرافي يمكن أن يقلل تكاليف النقل مقارنة بالموردين البعيدين، فيما يسمح موقع المنطقة ببناء ممرات طاقة تربط موارد الجنوب بمراكز الصناعة والاستهلاك في الشمال.
إفريقيا تملك الموارد
لقد بلغ استهلاك الهيدروجين في القارة 3.1 ملايين طن في 2024، أي نحو 3% من الاستهلاك العالمي، مع تركّزه خصوصاً في مصر والجزائر ونيجيريا وجنوب إفريقيا وليبيا وغينيا الاستوائية. وتمثل الأمونيا وحدها قرابة ثلاثة أرباع الطلب الإفريقي.
أما الهيدروجين منخفض الانبعاثات، فما يزال في بدايته حيث لا تنتج إفريقيا حالياً سوى نحو 6 آلاف طن، وجميعها من مصادر متجددة. وهناك 31 مشروعاً في خط الأنابيب إلى 2030 يمكن أن ترفع الإنتاج إلى نحو 1.2 مليون طن، لكن مشروعاً واحداً فقط بلغ حتى الآن قرار الاستثمار النهائي.
وهذا المؤشر أكثر أهمية من حجم المشاريع المعلنة، لأنه يضع الإصبع على المشكلة الحقيقية فشمال إفريقيا لا تحتاج فقط إلى موارد طبيعية، بل إلى بيئة قادرة على تحويل المشاريع من الأوراق إلى مصانع تعمل فعلياً.
لكن الورقة الأقوى في تونس قد لا تكون حجم الإنتاج المستهدف، بل الجغرافيا. فوجود البلاد على الضفة المقابلة لإيطاليا يضعها ضمن الرؤية الأوروبية للممرات المستقبلية لنقل الهيدروجين من شمال إفريقيا إلى وسط أوروبا.
وهذا يمنح تونس فرصة لربط إنتاجها المحتمل بشبكة طلب أوروبية واسعة، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها تطوير الكهرباء والموانئ والتخزين والنقل والقدرات الصناعية. فالموقع الجغرافي لا يتحول إلى ميزة اقتصادية إلا عندما تدعمه بنية تحتية قادرة على استثماره.
الكهرباء والمياه و كلفة الهيدروجين
وراء بريق المشاريع الضخمة تقف معادلة أكثر تعقيداً. إنتاج الهيدروجين الأخضر يحتاج إلى كهرباء متجددة بكميات كبيرة، وإلى مياه للتحليل الكهربائي، وإلى شبكات قادرة على نقل الطاقة من مواقع الإنتاج إلى وحدات التحليل.
وهذا تحدٍ خاص لشمال إفريقيا، حيث يتقاطع التحول الطاقي مع الإجهاد المائي. لذلك لا يمكن بناء اقتصاد هيدروجين مستدام على حساب الموارد المائية المحلية. وستكون مشاريع تحلية المياه وإعادة استخدامها، عندما تكون ضرورية، جزءاً من المعادلة الاقتصادية، إلى جانب التوسع في الطاقة الشمسية والرياح وتحديث شبكات الكهرباء.
كما أن كلفة رأس المال تمثل تحدياً حاسماً. وتؤكد الوكالة الدولية للطاقة أن ارتفاع تكلفة التمويل هو أحد أكبر العوائق أمام مشاريع الهيدروجين في إفريقيا، ما يجعل التمويل المختلط والضمانات وعقود الشراء طويلة الأجل عناصر أساسية لتحريك الاستثمار.
المعركة الحقيقية تبدأ بعد الإنتاج
قد يبدو تصدير الهيدروجين إلى أوروبا الهدف الطبيعي، لكنه ليس بالضرورة الخيار الاقتصادي الأكثر ربحاً على المدى الطويل. فالقيمة الأكبر يمكن أن تتولد عندما يتحول الهيدروجين داخل المنطقة إلى منتجات صناعية قابلة للتصدير.
الأمونيا الخضراء مثال واضح، خصوصاً أن إنتاج الأسمدة يمثل اليوم الجزء الأكبر من استخدام الهيدروجين في إفريقيا. كما يمكن للهيدروجين أن يفتح الطريق أمام الحديد منخفض الانبعاثات، والميثانول المتجدد، والوقود المستدام للطيران والنقل البحري. وتشير الوكالة الدولية للطاقة إلى أن أكثر من 80% من طاقة إنتاج الحديد في إفريقيا تعتمد على الاختزال المباشر، ما يوفر قاعدة صناعية يمكن أن تستفيد من إدماج الهيدروجين تدريجياً.
هنا تحديداً يتحول الهيدروجين من مشروع طاقي إلى سياسة صناعية. فكل طن يتم تحويله محلياً إلى منتج صناعي يعني استثماراً ووظائف وتكنولوجيا وخدمات وسلاسل توريد، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المادة الأولية.