السجل الوطني للمؤسسات يدخل عصر الرقمنة الشاملة جهوزية تونس للإيداع الإلكتروني بنسبة 100% ؟
- بقلم زمردة دلهومي
- 15:13 30/06/2026
ابتداءً من يوم غد الأول من جويلية 2026، يطوي السجل الوطني للمؤسسات
صفحة المعاملات الورقية، معلنًا الانتقال الكامل إلى الخدمات الرقمية بنسبة 100 بالمائة. قرار يمثل تحولًا نوعيًا في مسار تحديث الإدارة الاقتصادية، لكنه يثير في المقابل جملة من التساؤلات الجوهرية فهل يمتلك مختلف المتعاملين، من شركات وأشخاص طبيعيين، الجاهزية التقنية والإدارية لهذا التحول؟ وهل ستنجح الهوية الرقمية في تبسيط الإجراءات أم أنها ستفتح الباب أمام تحديات جديدة تتعلق بالنفاذ الرقمي والأمن السيبراني والتأقلم مع المنظومات الإلكترونية؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في ظل تسارع مسار رقمنة الخدمات العمومية، حيث لم يعد التحول الرقمي خيارًا، بل أصبح جزءًا من إعادة صياغة العلاقة بين الإدارة والمتعاملين الاقتصاديين، في سياق يسعى إلى تحسين مناخ الأعمال وتعزيز النجاعة والشفافية.
نهاية الإيداع الورقي
إعلان السجل الوطني للمؤسسات اعتماد الخدمات الرقمية بشكل حصري اعتبارًا من الأول من جويلية 2026 يمثل محطة مفصلية في مسار تحديث الإدارة التونسية. فابتداءً من هذا التاريخ، ستتم جميع عمليات الإيداع وإنجاز المعاملات عبر المنصة الإلكترونية، دون إمكانية اللجوء إلى الصيغ التقليدية.
ويأتي هذا التوجه بعد سنوات من تطوير البنية الرقمية للسجل، بما يسمح بإدارة الملفات عن بعد، وتقليص آجال معالجة المطالب، والحد من التنقل بين الإدارات. كما ينسجم القرار مع التوجه الوطني نحو رقمنة الخدمات العمومية، في إطار تحسين جودة الخدمات المقدمة للمؤسسات والمستثمرين.
غير أن نجاح هذا الانتقال لا يرتبط فقط بتوفير منصة إلكترونية، وإنما أيضًا بمدى قدرة مختلف المتعاملين على التأقلم مع بيئة رقمية جديدة تتطلب أدوات وهوية رقمية وآليات تحقق إلكترونية.
ولضمان الولوج الآمن إلى المنصة الرقمية، دعا السجل الوطني للمؤسسات جميع المتعاملين إلى المبادرة بالحصول على الهوية الرقمية قبل دخول النظام الجديد حيز التنفيذ.
وفي هذا الإطار، خصص تطبيقة "DIGIGO" لفائدة الأشخاص المعنويين، وهي منظومة ترتبط بالمعرف الوحيد للمؤسسة، بما يسمح بإدارة مختلف العمليات الإلكترونية الخاصة بالشركات والجمعيات وسائر الكيانات القانونية.
أما بالنسبة للأشخاص الطبيعيين، فقد تم اعتماد تطبيقة "هوية"، المرتبطة مباشرة برقم بطاقة التعريف الوطنية، بما يتيح للمستخدم التثبت من هويته إلكترونيًا وإتمام الإجراءات عن بعد.
ويؤكد السجل الوطني للمؤسسات أن الحصول على الهوية الرقمية لم يعد مجرد خدمة إضافية، بل أصبح شرطًا أساسيًا للنفاذ إلى المنصة وإنجاز عمليات الإيداع الإلكترونية، الأمر الذي يجعل المبادرة بالحصول عليها ضرورة عملية لتجنب أي تعطيل للمعاملات بعد الأول من جويلية.
رقمنة الإدارة والمكاسب الاقتصادية
اقتصاديًا، لا يقتصر أثر هذا التحول على تسهيل الخدمات الإدارية، بل يمتد إلى تحسين مناخ الاستثمار والرفع من كفاءة الإدارة العمومية.
فالاعتماد الكلي على الإيداع الإلكتروني من شأنه أن يقلص الزمن الإداري لإنجاز الملفات، ويحد من الأخطاء المرتبطة بالمعالجة الورقية، كما يعزز إمكانية تتبع الملفات بشكل فوري، وهو ما ينعكس إيجابًا على المؤسسات التي تبحث عن السرعة والوضوح في تعاملها مع الإدارة.
كما تساهم الرقمنة في تقليص الكلفة التشغيلية، سواء بالنسبة للإدارة أو للمتعاملين، من خلال الحد من استعمال الوثائق الورقية، وتقليص التنقل، وتوفير الخدمات على مدار الساعة دون التقيد بأوقات العمل الإداري.
ويرى مختصون أن هذه الإصلاحات تشكل عنصرًا داعمًا لجاذبية الاستثمار، خاصة بالنسبة للمستثمرين الذين يقيمون جودة الخدمات الإدارية ضمن معايير اختيار وجهاتهم الاستثمارية.
رغم المكاسب المنتظرة، فإن الانتقال الكامل إلى الخدمات الرقمية يطرح تحديات حقيقية، خاصة بالنسبة لبعض الفئات التي لا تزال تواجه صعوبات في استعمال المنصات الإلكترونية أو النفاذ إلى الوسائل الرقمية.
فالمؤسسات الصغرى، وبعض أصحاب الأنشطة الفردية، قد يجدون أنفسهم أمام ضرورة اكتساب مهارات جديدة للتعامل مع الإجراءات الإلكترونية، وهو ما يستوجب مواصلة جهود التكوين والإحاطة الفنية.
كما يظل الأمن السيبراني أحد أبرز الرهانات، إذ إن توسع الخدمات الرقمية يستوجب تعزيز منظومات حماية البيانات الشخصية والمعطيات الاقتصادية الحساسة، بما يضمن ثقة المستخدمين ويحافظ على سلامة المعاملات الإلكترونية.
ولا يقل عن ذلك أهمية ضمان استقرار المنصة الرقمية وتوفير الدعم الفني السريع عند حدوث أي أعطال، لأن أي توقف في الخدمات قد ينعكس مباشرة على نسق النشاط الاقتصادي.
مسار أوسع للإدارة الرقمية
قرار السجل الوطني للمؤسسات لا يمكن عزله عن مسار أوسع تشهده الإدارة التونسية، يقوم على توسيع استخدام الهوية الرقمية والخدمات الإلكترونية في عدد متزايد من المؤسسات العمومية.
فالهدف لم يعد رقمنة وثيقة أو إجراء بعينه، وإنما إعادة تصميم الخدمات الإدارية وفق منطق رقمي متكامل، يجعل المواطن والمؤسسة قادرين على إنجاز معاملاتهم عن بعد، مع الحد من التعقيدات البيروقراطية وتحسين جودة الخدمة.
ومن هذا المنطلق، تبدو الهوية الرقمية إحدى اللبنات الأساسية في بناء إدارة أكثر ترابطًا، تسمح مستقبلًا بتبادل المعطيات بين مختلف الهياكل العمومية، مع الحفاظ على الضوابط القانونية المتعلقة بحماية البيانات.
يشكل الانتقال الكامل للسجل الوطني للمؤسسات إلى الخدمات الرقمية محطة مهمة في مسار تحديث الإدارة الاقتصادية في تونس، لكنه في الوقت ذاته يمثل اختبارًا لقدرة المنظومة الإدارية والفاعلين الاقتصاديين على مواكبة التحول الرقمي بصورة فعالة.
فالنجاح لن يقاس بمجرد إلغاء الإيداع الورقي، وإنما بمدى قدرة النظام الجديد على تقديم خدمات أكثر سرعة وشفافية وموثوقية، مع ضمان سهولة النفاذ لجميع المستخدمين وحماية معطياتهم. وبين الفرص التي تتيحها الرقمنة والتحديات التي ترافقها، تبدو المرحلة المقبلة فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين الإدارة والاقتصاد، على أساس الكفاءة والابتكار، بما قد يمهد لبناء بيئة أعمال أكثر مرونة واستجابة لمتطلبات العصر الرقمي.
آخر مقالات زمردة دلهومي
- السيادة الاقتصادية الجديدة: التمويل الأخضر طوق نجاة الصناعة التونسية
- من الطريق السيارة إلى الطريق الذكية: تونس تدخل عصر إدارة المرور بالبيانات
- الاستثمارات الآسيوية في تونس: من هامش الحضور إلى رهان الشراكة الصناعية
- السياحة التونسية تعبر عتبة الأرقام القياسية وتدخل اختبار القيمة المضافة
- تونس والهيدروجين الأخضر.. شمال إفريقيا على بوابة صناعة الطاقة الجديدة