عبد الوهاب الحناشي "صبره مكتوب"... وصوته محفوظ في الذاكرة

في صوته شيء من دفء البيوت القديمة، وشيء من حزن الطرقات الطويلة
وشيء من حنين الذكريات البعيدة، وشيء من شجن الإنسان بين الموجود والمنشود. فهناك أصوات تترك أثرها في الوجدان مثل رائحة الأرض بعد المطر، مثل رائحة الياسمين في مساء الصيف، مثل رائحة العطر بعد انقضاء الموعد... ومن بين هذه الأصوات يبرز عبد الوهاب الحناشي، الفنان الذي اختار أن يسكن منطقة خاصة بين الطرب والموسيقى التونسية، فصار اسمه مرتبطا بأغنيات حفظها الناس وعشقتها الأذن ولم تنس وقعها منذ سنوات... وسنوات. لم يكن ابن الضجيج ولا أب "البوز"...فقد اختار طريقا أصعب، طريق الأغنية التي تعيش بصدقها وبرقة إيقاعها وعذوبة وقعها مراهنا على الإحساس لا الاستعراض. في أغنية "محبوبي"، التي تحولت مع السنوات إلى علامة فارقة في الأغنية التونسية، غنّى الحناشي للحب وللشوق... فكانت الأغنية أشبه برسالة حب مفتوحة معلقة في الهواء، فتلقفها آلاف العشاق، وكلّ منهم وجد فيها تقاطعا يشبه قصته الخاصة. وفي أغنيته "صبرك مكتوب" يفتح الحناشي بابا واسعا على أوجاع كل البشر في التسلح بالصبر في وجه القدر المرّ. فمنذ الجملة الأولى:"صبرك مكتوب وصبرنا كيف صبر أيوب" تبدو الأغنية وكأنها صلاة طويلة وأياد تتضرع يرفعها الموجوعون إلى السماء حين تضيق بهم الأرض. ثم تأتي العبارة التي تختصر مأساة الإنسان في مجتمع لا يرحم:"ذابت القلوب وزاد علينا كلام الناس."فالوجع هنا ليس وجع الفراق وحده، بل وجع العيون التي تراقب، والألسنة التي تحاكم، والكلمات التي تترك ندوبا لا تراها العين. وبصوته الجهوري والشجي صدح الحناشي بأنّ بعض الجراح يصنعها الناس أكثر مما يصنعها القدر. عندما نستمع إلى عبد الوهاب الحناشي اليوم - على إثر حفل "قرطاج تغنّي"- وهو يتحدث بمرارة عن تغييب الفنان التونسي يبدو الأمر وكأن الزمن أعاد كتابة الأغنية بطريقة أخرى. فكأن صاحب "صبرك مكتوب" ما زال يردد المعنى نفسه بعد كل هذه السنوات: صبر طويل، وصوت لم يفقد الشغف رغم الخذلان، وفنان ما زال ينتظر أن يُنصفه وطن حفظ أغانيه عن ظهر قلب. لم يكن مجرد غضب مشروع لفنان له أحقية الظهور في بلاده واعتلاء مسارحه، بقدر ما كان وجع مطرب يرى أن الأغنية التونسية التي أفنى عمره في خدمتها لم تعد تجد مكانها الذي تستحقه. كان يتحدث بمرارة من يرى أعماله ما تزال حاضرة في وجدان الناس، بينما يغيب أصحابها عن الأركاح والمهرجانات. إنّ "انتفاضة" عبد الوهاب الحناشي في وجه الجحود لا تتعلق بشخصه وحده، بل بجيل كامل من الفنانين منحوا الأغنية التونسية جزءا من روحها وكثيرا من هويتها... جيل يستمع اليوم إلى أغانيه ما تزال تُعاد في الحفلات والبيوت والسيارات والمقاهي، بينما تتقلص مساحة حضورها على المسارح وفي وسائل الإعلام. ويبقى عبد الوهاب الحناشي صفحة من كتاب الوجدان التونسي. وحين يُذكر اسمه، لا تحضر أغنية بعينها فقط، بل تحضر سنوات كاملة من الذكريات، ووجوه أحببناها، وأماكن غادرناها، وأحلام تركناها على قارعة العمر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115