بعد 60 عاما من استقرارها في القصبة: وزارة الشؤون الثقافية بلا مقر قار!

بعد أكثر من ستين سنة، يُطلب من وزارة الشؤون الثقافية

أن تغادر مقرها وتتخلى عن مبناها لفائدة وزارة الدفاع الوطني. وقد أثار هذا القرار الذي تكتمت عنه وزارة الشؤون الثقافية أكثر من علامة استفهام وأكثر من بيان تنديد واستنكار. فهل هو امتحان حقيقي لخيارات الدولة، فإما الاعتراف بالثقافة كوزارة سيادة وإما التعامل معها كهامش يمكن نقله متى اقتضت الضرورة؟

تعيش وزارة الشؤون الثقافية هذه الأيام حالة من الارتباك والبحث عن مقر جديد أو مقرات متفرقة لإداراتها بعد صدور تعليمات من رئاسة الحكومة تقضي بإخلاء المقرّ الرسمي لوزارة الشؤون الثقافية بالقصبة، وفقا لما أكده الأستاذ أحمد بن حسانة.
أكتوبر 1961: الثقافة خيار سيادي
في 7 أكتوبر من سنة 1961، أُنشئت وزارة (كتابة دولة) الشؤون الثقافية بأمر رئاسي، ضمن مشروع بناء الدولة الوطنية الحديثة. لم تكن الثقافة آنذاك ملحقا إداريا، بل رافعة أساسية لترسيخ الهوية الوطنية بعد الاستقلال، وقد كلّف الرئيس الحبيب بورقيبة الشاذلي القليبي بتأسيس هياكلها وقيادتها، بوصفها أرضية لترسيخ الهوية الوطنية في إطار مشروع وطني يسعى إلى بناء هوية ثقافية تونسية متجذّرة في الأصالة ومنفتحة على الحداثة.
وفي القصبة، استقرت الوزارة كمقر رسمي وتاريخي وفضاء رمزي شهد مرور الوزراء المؤسسين ورسم السياسات الثقافية الكبرى وصياغة علاقة الدولة بالفن والتراث والمعرفة.
لا شك أنّ مقر وزارة الشؤون الثقافية بالقصبة لم يكن يوما مجرّد عنوان إداري بل فضاء صُنعت فيه الرؤى الثقافية، وتقاطعت فيه الأسئلة الكبرى حول الهوية والذاكرة والحداثة. لذلك فإنّ المساس به شأنا عقاريا بل هو مساس برمز، لا بعقار.

النقابة المستقلة للمخرجين والمنتجين: أعباء مالية إضافية

تهاطلت البيانات رفضا لنقل وزارة الشؤون الثقافية حيث سارعت النقابة المستقلة للمخرجين والمنتجين بإصدار بيان قلق وتنديد رسمي معتبرة أن المقر ليس مجرّد مبنى إداري، بل رمز حضاري وتاريخي يجسّد مسار الثقافة التونسية. واعتبرت النقابة أنّ القرار الأحادي الجانب يمثّل استنقاصا من قيمة الثقافة، ويُربك المشاريع، ويثقل ميزانية تعاني أصلا من الهشاشة، مطالبة بإلغائه الفوري. واعتبرت النقابة أنّ مثل هذا القرار "يهدّد استمرارية العمل الثقافي، ويُربك المشاريع الجارية، ويُحمّل الميزانية الثقافية – التي تعاني أصلا من ضيق شديد – أعباء مالية إضافية لا مبرر لها."
الجامعة العامة للثقافة: مساس بمكانة الوزارة
دعت الجامعة العامة للثقافة إلى التراجع الفوري عن طلب الإخلاء، معتبرة أن القرار يمسّ من مكانة وزارة الشؤون الثقافية ودورها الوطني. وأكّدت الجامعة احتفاظها بحقها في اتخاذ كل الأشكال النضالية المشروعة، مطالبة بتوضيحات رسمية حول خلفيات القرار، ومحذّرة من تعطيل العمل الإداري وتشتيت الهياكل والإضرار بحقوق الأعوان والمثقفين. وأوضحت الجامعة أن "الثقافة ليست قطاعا ثانويا بل ركيزة أساسية من ركائز الدولة الحديثة .. وأن المساس بمقرها أو إفراغه من محتواه الوظيفي دون رؤية واضحة يشكل تهديداً مباشرا لقطاع الثقافة ولمكتسبات العاملين به والمنتسبين له، وما يمكن أن ينجر عنه من تشتيت للهياكل المركزية للوزارة والضرر بالمتعاملين من مثقفين ومبدعين وبالعاملين، إضافة إلى مشاكل النقل، مؤكدة في الوقت ذاته احترامها الكامل لمؤسسات الدولة وأدوارها السيادية".

النقابة الأساسية لأعوان وإطارات الوزارة: تداعياته إدارية ولوجستية

عبّرت النقابة الأساسية لأعوان وإطارات وزارة الشؤون الثقافية عن رفضها القاطع للقرار، مؤكدة أنه اتُّخذ بشكل مفاجئ ودون دراسة مسبقة لتداعياته الإدارية واللوجستية. واعتبرت النقابة أن نقل المقر سيمسّ من رمزيته التاريخية ويُربك السير اليومي للإدارة، مطالبة بالإيقاف الفوري للإجراء وفتح حوار جدي ومسؤول. وحذرت النقابة من انعكاسات القرار السلبية على ظروف عمل أبناء القطاع وعلى أداء المؤسسة الثقافية بصفة عامة، بما قد ينعكس بدوره على المشهد الثقافي الوطني. وطالبت النقابة سلطة الإشراف بـالإيقاف الفوري لهذا القرار، والدخول في حوار جدي ومسؤول يراعي مصلحة القطاع والعاملين فيه، ويحفظ استقرار الإدارة وحسن سيرها، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الوزارة ودورها المحوري في الحياة الثقافية التونسية.

عريضة للتوقيع ضد القرار
في عريضة مفتوحة للتوقيع، عبّر أعوان وإطارات وزارة الشؤون الثقافية ومثقفون وفاعلون ثقافيون ومواطنون في بيان احتجاجي عن رفضهم الشديد لقرار النقل، معتبرين أنه يُضرّ باستقرار العمل الثقافي وبصورة المؤسسة في الفضاء العام، وطالبوا بإيقاف إجراءات النقل فورا والتراجع عنها حفاظًا على المصلحة الثقافية العامة ورمزية المؤسسة.
بعيدا عن اختزال المسألة في منطق نفعي باعتبار أن المقرّ مجرّد مبنى، وأن الفائدة الحقيقية تكمن في الاستراتيجيات الثقافية لا في الجدران، يبدو أنّ هذا المنطق يتغافل عن حقيقة أساسية في السياسات الثقافية. فالمكان جزء من الرؤية، والرمز عنصر من عناصر الفعل. والمقرّ ليس حيّزا محايدا، بل عنوان سياسي وثقافي يعبّر عن موقع الثقافة داخل الدولة. إفراغه من رمزيته هو في حدّ ذاته استراتيجية، لكنها إستراتيجية إقصاء لا اعتراف، تقليص لا إصلاح.
ولا يمكن بناء سياسة ثقافية بينما تُدفع مؤسستها المركزية إلى الهامش، ولا يمكن الحديث عن رؤية مستقبلية في الوقت الذي يُفكَّك فيه معناها الرمزي في الحاضر.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115