من إخراج التونسي الأسعد الوسلاتي: "دارا -تيتانيك الخليج"... دراما تتجاوز حدود الجغرافيا

كانت سفينة "دارا" في سنة 1961 تشق عباب البحر

وعلى متنها الركاب الأجانب الذين كانوا يعملون في دول الخليج العربي. فإذا بانفجار قوي يتسبب في غرقها قبالة سواحل دبي وموت أكثر من مائتي ضحية... بعد هذه الكارثة أصبحت سفينة "دارا" تسمّى بـ" تيتانيك الخليج". من أدراج التاريخ، أخرج المخرج التونسي الأسعد الوسلاتي هذه القصة الواقعية ليحولها إلى دراما تحمل اسم "دارا - تايتنك الخليج". ولا يكتفي المسلسل بسرد قصة انفجار السفينة وما تبعها من ضحايا وناجين، بل يذهب أبعد من ذلك....إلى أعماق الإنسان عندما يواجه احتمال الموت.

في اقتباس من أحداث حقيقية، يحاول المسلسل الإماراتي "دارا" استحضار واحدة من أكثر الحوادث البحرية تأثيرا في ذاكرة الخليج، عبر رؤية إخراجية تحمل توقيع المخرج التونسي الأسعد الوسلاتي.
"دارا" ما بعد الانفجار... سفينة الأسرار
تنطلق قصة "دارا" دراميا من دار رعاية في دبي، حيث يجتمع الناجون بعد إنقاذهم، وتبدأ التحقيقات لكشف الفاعل. لكن التحقيق الحقيقي ليس جنائيا فقط، بل نفسي وإنساني. فكل ناجٍ يحمل قصة، وكل قصة تحمل سرا، وكأن الانفجار لم يدمّر السفينة وحدها، بل فجّر طبقات خفية داخل الشخصيات.
في مراهنة على رؤية ذكية في البناء الدرامي، لا تصبح الكارثة هي النهاية بل البداية. فما يبدو تحقيقا في جريمة يتحول تدريجيا إلى تفكيك لعلاقات بشرية معقدة، من الزواج المتصدع، إلى الطموح المهني، إلى الذكريات السوداء التي تلاحق أصحابها حتى بعد النجاة.

من تابع أعمال المخرج الأسعد الوسلاتي السابقة والناجحة على شاشة التلفزة الوطنية الأولى في مواسم رمضانية فارطة والتي تمثلت في "المايسترو" و"حرقة" في جزئه الأول والثاني، يدرك أن هاجس هذا المخرج ليس الحدث في حد ذاته بقدر اهتمامه بالإنسان داخل الحدث. هذه السمة تتواصل في "دارا" ضمن إنتاج عربي ضخم في مواصلة لمشواره في إخراج مسلسلات خليجية سابقة وهي "دكة العبيد" و"البوم".
وهو المخرج القادم أساسا من بوابة الفن السابع، لا يتجرد الأسلوب البصري في «دارا» من حس سينمائي واضح يتجلى في إضاءة تميل إلى الواقعية، وكاميرا قريبة من الوجوه، وإيقاع يمنح الصمت مساحة للتعبير.
بطولة متعددة… وقضية واحدة
رغم تعدد الجنسيات في فريق التمثيل، من الإمارات وسوريا والكويت وبريطانيا والهند... فإن الطابع الإنساني العميق يوحّد الجميع وخاصة في الخوف من الفقد. يشارك في بطولة "دارا" بدر الحكمي إلى جانب الممثل البريطاني Philip Brodie، مع حضور خاص للفنان حبيب غلوم في تركيبة تمثيلية تعكس البعد العابر للحدود الذي يقوم عليه المسلسل.

إنّ إعادة تقديم حادثة بحرية تاريخية ليست مجرد استعادة للماضي بل محاولة لفهم الحاضر. فالمجتمعات تبني هويتها عبر تراكم الذاكرة، والدراما إحدى أدوات حفظ هذه الذاكرة. و"دارا" يذكّر بأن الخليج لم يكن فقط بلد النفط ومواطن الشغل بل مسرحا لقصص إنسانية وملاحم قاسية ساهمت في تشكيله.

ومرة أخرى، يثبت المخرج التونسي الأسعد الوسلاتي تميزه في قيادة مشروع درامي ضخم ضمن الإنتاجات العربية الكبرى. كما كان لموسيقى التونسي سليم عرجون في مسلسل "دارا" بعدا ثالثا يكمل ما صمت عنه الحوار وما عجزت عنه الصورة.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115