من خلف القضبان إلى واجهة الشاشة الدراما السورية تفتح أبواب معتقلات "الأسد"

على امتداد سنوات طويلة، ظلّت الكاميرا في الدراما السورية

تدور حول الحارات والبيئات الشعبية والقضايا الاجتماعية... بينما بقيت الزنازين خارج "الكادر". اليوم، ومع تغيّر المشهد السياسي، قررت الدراما أن تفتح الباب الثقيل الذي ظل مواربا لعقود، وأن تقترب من واحدة من أكثر التجارب قسوة في الوعي السوري المعاصر.

على شاشة رمضان 2026، أطلت عديد المسلسلات السورية بمواضيع غير معتادة تستدعي السجون والمعتقلات في فترة نظام "الأسد" الابن وحتى الأب. في مقدمة هذه الموجة يأتي مسلسل «الخروج إلى البئر» للكاتب سامر رضوان، الذي يتناول استعصاء سجن صيدنايا العسكري سنة2008. وأهمية العمل لا تكمن فقط في جرأة الاقتراب من حدث مؤلم بل في محاولته قراءة العلاقة المعقدة بين التيارات الإسلامية والأجهزة الأمنية في عهد بشار الأسد.
ويبقى التحدي الحقيقي أمام هذا المسلسل في تفكيك آليات الوحشية، وكيف تحوّلت إلى بنية حكم لا مجرد ممارسة فهل يكتفي العمل بإعادة تمثيل المأساة، أم يذهب إلى تفكيك المنظومة التي جعلت من السجن مؤسسة دائمة في الحياة السياسية السورية؟

أما مسلسل «السوريون الأعداء»، المأخوذ عن رواية فواز حداد، فيستعيد مرحلة حكم حافظ الأسد، ولا سيما "أحداث حماة" في سنة 1982. في إخراج بتوقيع ليث حجو، يتخذ العمل من حكاية ثلاثة أشقاء مدخلا لقراءة نصف قرن من التحولات السياسية والاجتماعية. في هذا المسلسل لا يظهر السجن فقط كمكان مغلق، بل كظلّ ممتد إلى العائلة والمهنة والمدينة.
إلا أن هذا النوع من الأعمال يواجه خطر الوقوع في المباشرة السياسية، أو التحول إلى توثيق حرفي يرهق البناء الدرامي.

من الوثيقة إلى الأثر الإنساني، ينطلق مسلسل «القيصر… لا زمان لا مكان»، من الوثائق التي سرّبها عسكري منشق وكشفت صورا صادمة من معتقلات النظام بين عامي 2011 و2014. ويشارك في بطولته غسان مسعود وسلوم حداد وصباح الجزائري، ويختار التركيز على الأبعاد النفسية والاجتماعية لتجربة الاعتقال.

ويحسب لهذا العمل محاولته الابتعاد عن الإثارة البصرية مقابل اقتفاء الأثر العميق للاعتقال في الضحايا وعائلاتهم. فالمبالغة في تصوير العنف قد تحوّل الألم إلى مشهد استهلاكي، بينما الأهم هو ما يفعله السجن بالذاكرة الفردية والجماعية، وكيف يعيد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة.

واليوم، يبقى الرهان الأصعب أمام الدراما السورية هو تجنب التحول إلى موجة عابرة تستثمر في الجرح الطازج. فمعالجة تجربة معتقلات الأسد لا تحتاج فقط إلى جرأة سياسية، بل إلى حساسية فنية توازن بين التوثيق والخيال، وبين الوقوع في فخ الانتقام الرمزي ومطلب العدالة.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115