كثيرا ما يجد الفن نفسه في تماس مع السلطة. في إطار هذه العلاقة المعقدة من النادر اعتبار الدراما شريكا في تصحيح المسار بل على الأغلب يتم التعامل معها كخصم يهدد الاستقرار. وفي ليبيا حيث تتقاطع الانقسامات السياسية مع هشاشة المؤسسات، يرزأ الإبداع تحت عبء معادلة صعبة ما بين الجنوح إلى التعبير بحرية وبين سقف ممنوعات للقول وللفعل تتغير على مقاس الواقع غير المستقر.
أثار الجزء الثالث عشر من مسلسل "هدرازي" عاصفة من الجدل تجاوزت حدود العمل الدرامي نفسه، لتفتح بابا واسعا للنقاش حول واقع الإبداع في ليبيا، وحدود حرية التعبير، والعلاقة الشائكة بين الفن والسلطة.
بعد إيقافه، فرج عبد الكريم يعتزل الفن
منذ أكثر من عقد يعتبر مسلسل «هدرازي» من أبرز الأعمال الكوميدية الاجتماعية في الدراما الليبية من خلال تناول قضايا المجتمع الليبي اليومية مستخدما لغة درامية تمزج بين النقد والواقعية. ويجسد بطولة العمل الفنان فرج عبد الكريم مؤديا شخصية «هدرازي»، وهي الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث في كل موسم.
وعلى إثر توجيه المسلسل لانتقادات موجهة إلى ممارسات بعض رجال الأمن، تم إيقاف الفنان فرج عبد الكريم والتحقيق معه من قِبل جهاز الأمن الداخلي في بنغازي. وبعد إطلاق سراحه، أعلن المسرحي فرج عبد الكريم اعتزاله ربما بدافع الصدمة وربما كرد الاحتجاج. مما يعكس حالة من الإحباط العميق لدى المبدعين الذين يشعرون بأنهم يتحركون فوق أرض غير مستقرة.
ولعل ما جرى في مدن أخرى، مثل أجدابيا بعد تعرض فريق عمل مسلسل "خلك من الكلام" إلى التضييق من قبل جهاز الأمن الداخلي بحجة أنه يسيء إلى وزارة الداخلية، يؤكد أنّ أزمة مسلسل "هدرازي" ليست حادثة معزولة بل ترجمة لتوتر مستمر بين السلطة الرمزية للفن والسلطة الفعلية للمؤسسات.
وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: من يحدد حدود النقد الفني؟ هل تُرسم هذه الحدود عبر قانون واضح يضمن حرية التعبير ويضبطها في الوقت نفسه؟ أم تُفرض عبر قرارات ظرفية تتأثر بالسياق السياسي والأمني؟
الإبداع في ليبيا: بحر من المد والجزر
لفهم ما حدث، لا بد من العودة إلى السياق الأوسع للإبداع الليبي. فمنذ عقود، عاش المشهد الثقافي بين مدّ وجزر. ففي فترات معينة خصوصا خلال حقبة الدولة المركزية الصارمة، خضعت الفنون لرقابة إيديولوجية واضحة. وكان الإبداع مقيدا بسقف سياسي محدد. ومع ذلك، استطاع الفنانون الليبيون أن يطوّروا أشكالا ذكية من التعبير الرمزي، خاصة في المسرح والكوميديا الشعبية حيث كانت السخرية ملاذا للتنفيس الاجتماعي.
بعد 2011، اتسع هامش الحرية وظهرت أعمال درامية أكثر جرأة وبرزت أصوات شبابية تعكس تحولات المجتمع وتناقضاته. لكن هذا الانفراج سرعان ما اصطدم بواقع الانقسام السياسي وتعدد مراكز النفوذ وتضارب المرجعيات القانونية والأمنية. وهكذا، وجد الفنان الليبي نفسه أمام مشهد أكثر تعقيدا في ظل حرية بلا ضمانات وجرأة بلا حماية مؤسسية.
ومن المعلوم اليوم أن ليبيا تعاني من تهميش إعلامي عربي ملحوظ مما يجعل أخبارها الثقافية لا تحظى باهتمام واسع إلا حين ترتبط بأزمات. وهذا التهميش يضاعف شعور الفنان الليبي بالعزلة، إذ لا يجد منصات إقليمية تحتضن إنتاجه أو تدافع عنه. وفي المقابل، تتعرض الثقافة المحلية لضغوط داخلية متكررة، سواء بدوافع سياسية أو اجتماعية أو دينية.
واليوم تقف الدراما خصوصا والفن عموما في ليبيا عند مفترق طرق. فهل ستقود أزمة مسلسل «هدرازي» إلى مزيد من الانكماش الذاتي لدى الفنانين؟ أم إلى وعي جماعي بضرورة حماية الإبداع؟