تتجاوز حدود الإبداع لتلامس الدين والمجتمع والسياسة والقانون في آن واحد. لم يعد الجدل حول فيلم «الست»، الذي يتناول السيرة الذاتية لكوكب الشرق أم كلثوم مجرد نقاش فني حول تجسيد أسطورة غنائية، بل تحوّل إلى قضية قانونية بعد البلاغ المقدّم ضد مؤلفه أحمد مراد، إثر تصريح اعتُبر "مسيئا لمقام الرسول محمد".
تقدم محام مصري ببلاغ إلى النائب العام ضد المؤلف أحمد مراد على خلفية تصريحاته الأخيرة التي وصف فيها صناعة فيلم عن الرسول محمد بأنها أسهل من إنتاج فيلم عن أم كلثوم.
من تصريح عابر إلى قضية رأي عام
اندلعت الشرارة الأولى للأزمة جاءت من مقارنة أطلقها أحمد مراد اعتبر فيها أنّ صناعة فيلم عن الرسول أسهل من صناعة فيلم عن أم كلثوم. المقارنة، وإن جاءت في سياق حديث عن صعوبة تصوير فيلم عن "كوكب الشرق"، فُسرت من قبل البعض باعتبارها مساسا بالمقدس الديني عبر وضعه في ميزان المقارنة مع رمز فني.
وقد جاء التحرك القانوني سريعا عبر بلاغ اتهم أحمد المؤلف مراد بازدراء الدين واستغلال المنصات الإلكترونية، مطالبا بالتحقيق والمنع من السفر. وأكد المحامي أن هذه الأفعال تدخل تحت طائلة المادة 98 من قانون العقوبات، التي تعاقب بالحبس مدة تصل إلى 5 سنوات أو الغرامة على من يستغل الدين للترويج لأفكار متطرفة أو ازدراء الأديان، كما أنها تشكل مخالفة لقانون مكافحة الجرائم المعلوماتية.
وهنا تتجلى الإشكالية الكبرى: إلى أي مدى يمكن تحميل جملة إعلامية، خارج سياقها الكامل، كل هذا الثقل الجنائي؟ وهل تحوّلت المادة 98 من قانون العقوبات من أداة لحماية السلم المجتمعي إلى سيف مسلط على رقاب المبدعين؟
معركة الفن مع الذاكرة المقدسة
أمام انتقادات موجهة للبطلة منى الزكي التي جسّدت شخصية أم كلثوم في فيلم "الست" من إخراج مروان حامد ، يتجاوز تجسيد شخصية كوكب الشرق مجرد الدور التمثيلي ليتخذ شكل مواجهة مباشرة مع ذاكرة جماعية ومع "قداسة فنية" راسخة في وجدان أجيال متعاقبة.
وفي عرضه العالمي الأول في مهرجان مراكش، وصفت منى زكي الدور بأنه «أصعب مشروع في حياتها»، وأقرت بالخوف منذ اليوم الأول الذي تم فيه اقتراح المشروع . هو الخوف من محكمة الجمهور، ومن سلطة الحنين، ومن المقارنة القاسية بين الأصل والأسطورة والنسخة السينمائية.
ما يطرحه المؤلف أحمد مراد، حسب تصريحات منى زكي، هو زاوية إنسانية في حياة أم كلثوم «لم تُعرض من قبل».
لكن الإشكال يكمن في أن المجتمعات التي لم تُحسم فيها حدود المقدس بعد، تميل إلى الخلط بين النقد والتجريح، وبين التفكيك والإساءة. وهو ما يجعل أي محاولة للاشتباك مع الرموز محفوفة بمخاطر تتجاوز النقد الفني إلى المساءلة الجنائية.
إنّ قضية أحمد مراد ليست حادثة معزولة، بل حلقة جديدة في مسلسل جدل طويل حول حرية التعبير في العالم العربي. فمتى يكون الرأي تعديا؟ ومتى يكون الاختلاف ازدراءً؟ وهل يجوز أن تُدار النقاشات الثقافية بأدوات القانون الجنائي بدل أدوات النقد والحوار؟