العدوان الصهيوني على فلسطين ولبنان ، يأتي اصدار الكتاب الجماعي " غزة أصوات تضامن من تونس " ليمثل الضمير الجماعي التونسي المتضامن مع غزة الجريحة . ويجمع الكتاب الذي صدر أخيرا نخبة من الكتّاب والمفكرين والجامعيين والفنانين التونسيين والعرب حول قضية واحدة: أي التعبير عن التضامن مع الشعب الفلسطيني ومحاولة فهم ما يجري في غزة وتحليله. وتكمن أهمية هذا العمل بأنه لم يكتب فقط من أجل الحاضر بل هو يمثل شهادات تونسية حيّة كتبت للأجيال القادمة لتدرك الرواية الحقيقية في وجه التزييف الصهيوني التاريخي المتواصل عبر دعايته الإعلامية التي تستهدف تغيير الوقائع وقلب المعادلات واستباحة الحق والأرض .
يؤكد هذا الكتاب أن الكتابة ليست فقط فعلا ثقافيا بل هي مقاومة فكرية بامتياز لا تقل أهمية وفعالية عن المقاومة بالسلاح . كما أن صدوره باللغتين، العربية والفرنسية، يعكس رغبة القائمين عليه في إيصال هذا الصوت إلى جمهور أوسع، وفتح حوار يتجاوز الحدود اللغوية.
التزام أخلاقي تونسي
وقد شكّل اللقاء الذي احتضنته مكتبة الكتاب في العاصمة يوم الجمعة الماضي مناسبة لتقديم هذا العمل ومناقشة مضامينه. وفي كلمته أكد مدير دار نقوش عربية الكاتب والباحث المنصف الشابي بأنه تبنى اصدار هذا الكتاب باعتباره يعكس موقفا تونسيا أخلاقيا ومتأصلا تجاه ما تشهده غزة من حرب إبادة وتدمير ومن جرائم ضد الإنسانية ومجازر كونية غير مسبوقة . فهذا الكتاب هو صرخة ضد الصمت وضد الخذلان .
وأضاف في كلمته :"تتشكل لجنة تحرير الكتاب من منصف الشابي ومصطفى الحداد ومحمد جوه وخالد الوحيشي سعوا جميعا إلى جمع أصوات فكرية متعددة لإنتاج عمل يجمع بين الشهادة والتحليل والالتزام الأخلاقي. وأشار الى أن اللجنة تؤكد بأن غزة رغم المأساة لا تزال صامدة تأبى الرضوخ . وقال أن هذا الكتاب هو ثمرة لقاء فاعلين من المجتمع المدني وكتاب وفنانين وأكاديميين حول مشروع ثقافي وأخلاقي يعبرون من خلاله عن ادانتهم للإبادة الجماعية الجارية في غزة وعن دعمهم للقضية العادلة للشعب الفلسطيني ".
من جهته أكد مصطفى الحداد في مداخلته بأن الكتاب ليس فقط إدانة الحرب، بل يفتح أيضاً مجالاً للتفكير في الخلفيات التاريخية والسياسية والإيديولوجية للصراع العربي الصهيوني، بكل ما يمثله من انعكاساته على النظام الدولي المعاصر.
خالد الوحيشي قال ان هذا العمل جاء بعد نقاشات مطولة حول شكله ومضامينه . وأكد بأن أهمية الكتاب بالنسبة اليه تكمن في البعد التاريخي الذي يكشف حقيقة الدولة الاستيطانية في نشأتها وفي علاقتها مع الامبريالية والاستعمار الدولي وعلاقتها مع الرأسمال الدولي وفي تطور الفكر وأهداف الصهيونية . وقال ان الفضل يعود في هذا الجانب الى مصطفى حداد . وقال هناك جانب مهم جدا شارك فيه عديد الكتاب وهو محتويات الصهيونية وأهدافها وعلاقتها مع الآخر .
تنوع المقاربات
يتميز القسم العربي للكتاب بتنوع المقاربات بين التحليل السياسي والدراسة القانونية والتأمل الفكري والإبداع الأدبي ويضيف بعداً ثرياً لهذا العمل الجماعي، ويعكس في الوقت ذاته حيوية النقاش الفكري في تونس حول غزة والقضية الفلسطينية.
يفتتح هذا القسم بتقديم يتبعه تقرير يستعرض أشكال التضامن الدولي مع غزة. ففي نص بعنوان "من القافلة البرية إلى الأسطول البحري: الإصرار على كسر حصار غزة"، يستعرض لطفي بن عيسى المبادرات المدنية التي أُطلقت في أنحاء مختلفة من العالم للتنديد بالحصار المفروض على القطاع والسعي إلى تقديم الدعم لسكانه. ويبرز هذا النص إصرار حركات التضامن العالمية على مواصلة جهودها من أجل إيصال صوت غزة إلى الرأي العام الدولي.
ويضم القسم بعد ذلك مجموعة من المقالات التحليلية التي تتناول أبعاد الصراع السياسية والقانونية والفكرية. ففي مقاله المعنون "اليوم التالي ليس فقط لغزة ولكنه أيضاً إسرائيل والغرب المشارك في الإبادة"، يتناول عالم الاجتماع الفلسطيني ساري حنفي التداعيات الجيوسياسية والأخلاقية للوضع الراهن، موسعاً النقاش ليشمل مسؤوليات النظام الدولي تجاه ما يحدث.
ومن جانبه، يتطرق عمار الجلاصي إلى إيديولوجيا الصهيونية المسيحية، متوقفاً عند جذورها الدينية والسياسية التي تسهم في تفسير بعض أشكال الدعم الذي تحظى به إسرائيل في الأوساط الغربية.
أما البعد القانوني للصراع، فيعالجه المحامي سليم اللغماني من خلال دراسة حق الشعب الفلسطيني في ضوء مبادئ القانون الدولي، مسلطاً الضوء على التناقضات والقيود التي تعيق تطبيق هذه المبادئ في الواقع.
وفي مقاربة فكرية وفلسفية، يبيّن خالد الوحيشي كيف تسهم مقاومة غزة في إعادة إحياء فكرة العدالة الكونية وتعزيزها، مؤكداً أن النضال من أجل الكرامة الإنسانية يتجاوز دائماً حدود الجغرافيا والسياسة.
كما تتناول الكاتبة التونسية اللبنانية جودة بوعتور زين الدين البعد الإنساني والرمزي لهذه المقاومة في نص بعنوان "غزة تقاوم… لتحيا" حيث تبرز في نصها قدرة الشعب الفلسطيني على تحويل المعاناة إلى قوة للتشبث بالحياة والدفاع عن حقه في الوجود.
ولا يغيب الإبداع الأدبي عن هذا القسم، إذ يتضمن نصاً شعرياً للكاتبة والمسرحية جليلة بكّار بعنوان "البحث عن عايدة"، وهو نص مؤثر يبرز كيف يمكن للشعر والمسرح أن يتحولا إلى شكل من أشكال الذاكرة الحية في مواجهة المأساة.
ويُختتم هذا القسم بمجموعة من ملخصات الكتب التي تناولت غزة، ما يتيح للقارئ مسارات إضافية للقراءة ويفتح آفاقاً أوسع للتفكير في القضية الفلسطينية.
غزة في الوعي السياسي والأخلاقي
يجمع القسم الفرنسي للكتاب مشاركين من مختلف الاختصاصات ، اذ يتضمن مؤرخين وعلماء اجتماع وفلاسفة وباحثين وصحفيين. وفي تقديمه للكتاب، يبرز أحمد عباس المكانة الرمزية التي باتت تحتلها غزة في الوعي السياسي والأخلاقي المعاصر. وتتناول بعض الدراسات جذور الصراع وتطوراته الفكرية والسياسية. فالمفكرة صوفي بسيس تحلل طبيعة الدعم الغربي لإسرائيل والخلفيات السياسية والثقافية التي تفسره.
أما العربي بوقرة فيتوقف عند التحولات التي عرفها المجتمع الإسرائيلي والتوترات الداخلية التي كشفتها حرب غزة.
وفي سياق آخر، يناقش شريف فرجاني التناقض القائم بين مبادئ القانون الدولي والتطبيق الفعلي لها في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.
كما تتناول نصوص رزوقة الرديسي وليلى مرّ مسألة الذاكرة التاريخية وتعدد السرديات المرتبطة بالصراع.
أسئلة العدالة والحرية وحقوق الانسان
يرى العديد من المشاركين في الكتاب أن غزة لم تعد مجرد منطقة تعيش حرباً، بل أصبحت مرآة تعكس التوترات والتناقضات التي يعيشها العالم اليوم.
ومن خلال تحليل العلاقة بين الصهيونية وبعض التيارات الدينية والسياسية في الغرب، يحاول عدد من الباحثين فهم الإطار الفكري الذي يغذي هذا الصراع.
كما تبرز بعض النصوص الدور الذي تلعبه حركات التضامن العالمية، والتي تعكس حضور القضية الفلسطينية في ضمير العديد من المجتمعات.
وهكذا تتحول غزة إلى رمز يتجاوز حدود الجغرافيا، ليطرح أسئلة كبرى حول العدالة والحرية وحقوق الإنسان.
الفن كمقاومة
لا يقتصر الكتاب على الدراسات والتحليلات الفكرية، بل يفتح المجال أيضاً للأدب والفن باعتبارهما وسيلتين للتعبير عن الألم والذاكرة.
فقد ساهمت المسرحية جليلة بكار بنص بعنوان "البحث عن عايدة"، بينما يقدم الشاعر الطاهر البكري قصيدة تتأمل في صمت العالم أمام مأساة غزة.
كما تتضمن الصفحات نصوصاً أدبية لشعراء وكتّاب مثل أروى بن ضياء وسالم بنور، حيث تتحول الكلمة الشعرية إلى تعبير عن التضامن الإنساني.
ويأتي هذا العمل كامتداد لتاريخ طويل من التضامن التونسي مع فلسطين، حيث ظلت القضية الفلسطينية حاضرة بقوة في الوعي السياسي الجمعي التونسي .
ومن خلال هذا الكتاب يؤكد المشاركون أن هذا التضامن ليس مجرد موقف سياسي، بل هو موقف أخلاقي وإنساني يعبّر عن التمسك بقيم العدالة الكونية والكرامة الإنسانية التي لا تتجزأ.