بعد تصعيد إسرائيلي :صراع جيوسياسي في سوريا..الأهداف العسكرية والتداعيات الإستراتيجية

تشهد قاعدة "التيفور" الجوية في سوريا تنافسا حادا بين تركيا وإسرائيل،

حيث تسعى كل منهما لتحقيق مصالحها الإستراتيجية في المنطقة. فبينما تحاول ''إسرائيل'' تعطيل أي استخدام محتمل للقاعدة من قبل خصومها عبر استهداف بنيتها التحتية، ترى تركيا في "التيفور" موقعا مثاليّا لتعزيز نفوذها العسكري في سوريا، خاصة في ظل اتفاقات التعاون الدفاعي مع دمشق.تعكس المنافسة على القاعدة صراعا جيوسياسيا أوسع بين أنقرة وتل أبيب على النفوذ في سوريا، حيث تضع تركيا وجودها في القاعدة ضمن إستراتيجيتها الأمنية الرامية إلى تحجيم النفوذ الكردي والتصدي للتمدد الشيعي. في المقابل، ترى "إسرائيل" أن استمرار استهداف القاعدة ضرورة لضمان عدم تحولها إلى نقطة انطلاق لقوات تزعم أنها معادية تهدد أمنها القومي.

وفي هذا السياق اتهمت سوريا "إسرائيل" بـ"تعمّد زعزعة استقرارها" بعد سلسلة غارات طالت مواقع عسكرية بينها مطار، وتوغل قواتها جنوبا، ما أسفر عن مقتل 13 سوريا على الأقل، وفق حصيلة للمرصد السوري لحقوق الإنسان.وأقرت إسرائيل بشنّ غارات استهدفت "قدرات وبنى تحتية عسكرية" في دمشق ووسط سوريا، وتنفيذ عملية برية في محافظة درعا (جنوب)، محذرة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع من دفع "ثمن باهظ" في حال تعرضت مصالحها الأمنية في سوريا لأي تهديد.
ومنذ إطاحة تحالف فصائل معارضة بالرئيس بشار الأسد أواخر عام 2024، شنّ جيش الاحتلال الإسرائيلي مئات الضربات في سوريا، معلنا استهداف منشآت عسكرية وقواعد بحرية وجوية بهدف منع استحواذ الإدارة الجديدة على ترسانة الجيش السابق. كما توغلت القوات الإسرائيلية في المنطقة العازلة في هضبة الجولان.
وأفاد الإعلام الرسمي السوري عن غارات إسرائيلية استهدفت مطاري حماة العسكري ومحيط مطار تي-فور (T4) في محافظة حمص (وسط)، إضافة إلى مركز البحوث العلمية في منطقة برزة في دمشق.وبحسب المرصد، شنّ طائرات إسرائيلية نحو 18 غارة على مطار حماة العسكري طالت مدرجاته وطائراته وأبراجه، ما أدى الى خروجه من الخدمة ومقتل أربعة عناصر تابعين لوزارة الدفاع السورية.
تمثل سوريا موقعا جغرافيا محوريا ، ما يمنحها ثقلا استراتيجيا كبيرا.وضمن هذا الإطار، تحتل قاعدة "التيفور" موقعا حيويا في قلب سوريا، مما يزيد من أهميتها العسكرية.تتميز القاعدة بتجهيزات متطورة تجعلها قادرة على استقبال الطائرات ذات الحمولات الثقيلة، إلى جانب احتوائها على بنية تحتية عسكرية متقدمة، تشمل مدارس عسكرية ومرافق لوجستية داعمة. هذه الميزات تجعلها نقطة إستراتيجية ذات تأثير كبير في معادلات النفوذ الإقليمي.
ونددت وزارة الخارجية السورية في بيان بشن إسرائيل غارات "على خمس مناطق مختلفة في انحاء البلاد خلال ثلاثين دقيقة، مما أسفر عن تدمير شبه كامل لمطار حماة العسكري وإصابة عشرات المدنيين والعسكريين".وقالت "يشكل هذا التصعيد غير المبرر محاولة متعمدة لزعزعة استقرار سوريا وإطالة معاناة شعبها".

 

تعود إسرائيل إلى واجهة المشهد السوري مجددا عبر شنها سلسلة من الغارات الجوية والتوغلات البرية، في تصعيد يعكس استمرار إستراتيجيتها وعدوانها العسكري في سوريا، رغم التحولات السياسية التي شهدتها البلاد بعد الإطاحة بالرئيس بشار الأسد. هذه الضربات، التي استهدفت مطارات عسكرية ومنشآت إستراتيجية، تفتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول السياسة الإسرائيلية وتداعياتها على الوضع الإقليمي في ظل تزايد حرب النفوذ على الجغرافيا السورية.
وبعد سيطرة تحالف فصائل المعارضة على الحكم في دمشق وتولي الشرع الحكم في كنف حكومة انتقالية، كثّفت ''إسرائيل'' هجماتها على ما تصفه بـ"البنية التحتية العسكرية" للحكومة الجديدة، مبررة ذلك بالسعي لمنع استحواذها على ترسانة الجيش السابق، لا سيما الطائرات الحربية وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى.
الهجمات الأخيرة، التي شملت مطاري حماة العسكري ومطار t4 ، ومركز البحوث العلمية في برزة، تشير إلى أن "إسرائيل" لا تستهدف فقط القدرات الدفاعية لسوريا، بل تسعى إلى تقويض أي محاولة لإعادة بناء قدراتها العسكرية. فخروج مطار حماة عن الخدمة بعد استهداف مدرجه وطائراته يؤكد أن هذه الضربات ليست مجرد "رسائل تحذيرية"، بل جزء من عملية مستمرة لتفكيك القوة الجوية السورية.

تصعيد ميداني ورسائل سياسية

لم تقتصر العملية الإسرائيلية الأخيرة على الضربات الجوية، بل شملت توغلا بريا في محافظة درعا، وهو تطور يعكس مدى انخراط تل أبيب في الملف السوري بشكل مباشر. هذا التوغل يرسل رسالة مزدوجة الأولى إلى دمشق بأن أي إعادة ترتيب للوضع العسكري في الجنوب السوري لن تكون مقبولة، والثانية إلى القوى الإقليمية، وعلى رأسها تركيا ومن بعدها إيران وحلفاؤها، بأن إسرائيل مستعدة لاتخاذ خطوات تصعيدية لمنع أي وجود عسكري معاد قرب حدودها.
في المقابل، تأتي هذه الضربات في وقت تواجه فيه الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع تحديات داخلية، من إعادة بناء المؤسسات إلى فرض الأمن، مما يجعل توقيت الهجوم الإسرائيلي محملًا برسائل سياسية واضحة. إذ يوضح تحذير تل أبيب للشرع من "ثمن باهظ" إذا ما تعرضت مصالحها الأمنية للتهديد، أنّ "إسرائيل" لا تزال ترى في الوضع السوري متغيرا غير مستقر، وتحاول فرض معادلاتها الخاصة على المشهد.
وجاء رد الفعل السوري الرسمي سريعا، حيث نددت وزارة الخارجية بما وصفته بـ"محاولة متعمدة لزعزعة الاستقرار". لكن وفق مراقبين وعلى المدى البعيد ، قد يدفع استمرار هذه الضربات سوريا إلى البحث عن ردود غير تقليدية، أو تعزيز التعاون مع قوى إقليمية مثل إيران وروسيا وتركيا، ما قد يزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.
إذ يؤكد متابعون أن ما حدث ليل الأربعاء - الخميس ليس مجرد جولة جديدة من الضربات الإسرائيلية في سوريا، بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة من المواجهة غير المباشرة بين الطرفين. مع استمرار تل أبيب في سياستها القائمة على "الضربات الاستباقية"، واستمرار الحكومة السورية الجديدة في تثبيت وجودها، قد يكون المشهد مفتوحا على احتمالات تصعيدية غير متوقعة.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115