رحيل قيثارة الصحراء بلقاسم بوقنة

سكن الصحراء وسكنته، احب امتدادها واستلهم من عمقها واسرارها اغانيه،

اغان صعبة الكلمة كما غرابة الصحراء وقسوتها احيانا، نثر رمال الصحراء كلمات فولدت اغان عاشقة تعبر عن حساسية مفرطة لصاحبها، يلقبه محبيه بقيثارة الصحراء، الراحل بلقاسم بوقنة صوت الحب والوجع في الصحراء ترجل الفارس وترك بيداءه وطار عبر اجنحة الحبارى الى عوالم اكثر امتدادا من صحراءه.

بلقاسم بوقنة فنان الحب والوجع، عاش طيلة اعوامه الواحدة والستين مقسما حياته الى جزاين، جزء لابناءه وتلاميذه يعلمهم فك شيفرات الحياة، يعلهم سحر لغة الضاد وجمالياتها في مدارس ابتدائية ريفية تناثرت في ربوع الجنوب التونسي، والجزء الثاني خصص للكلمة الساحرة والصورة الشعرية الموشومة في القلب والذاكرة فكانت الاغنية رفيقته ليحيا، يكتب وينثر حبّه للغناء والفن كشيجرات "الرتم" المزهرة بزهورها البنفسجية المبهرة في ربوع الصحراء.
صحراوي حد البساطة وانساني حد البداوة، هادئ الطباع ومحب لاغانيه، مسالم كما يعرفه من حضر حفلاته، الفنان الانسان تنطبق على الراحل بلقاسم بوقنة المدافع عن الهوية الصحراوية في الموسيقى والملبس فاللحفة الصحراوية لا تفارق راسه في يومه وحفلاته والبُلغة المرزوقية بلونها البني المتماهي مع الرمال ينتعلها دوما عنوان للهوية وبطاقة تعريفه الجغرافية.
الراحل بلقاسم بوقنة اصيل منطقة القُلعة من معتمدية دوز من مواليد 27سيبتمبر 1963، ترجل عن عالمنا بتاريخ 5ماي 2024 بعد واحد وستين عاما من النضال بي المدرسة والفن فكلاهما يستنزف الروح للصادقين وبوقنة كان "نضوي على الكون كيف الفتيلة، يدي على الخير ماهي بخيلة، ذراعي طويلة وفّاي في الكيل عند المكيلة، شايل وحامل هموم القبيلة" كما وصف نفسه في اغنيته "مازلت".
بلقاسم بوقنة قيثارة الصحراء وصوتها المخملي الهادئ، فنان احب الاغنية البدوية وغناها في كل المحافل الدولية، دافع عن هويته التونسية والبدوية بموسيقاه وأغانيه التي اشتهرت واشتهر بها فنانين اخرين على غرار امينة فاخت واغنية "ام الغثيث" وكافون الذي غنى له "عانيت صقع الليل" وغيرها من الاغاني حديثة التوزيع، لكن صوت بوقنة وروحه الحقيقية لا تقارن وحبه لموروثه الشعبي موصوم في الذاكرة تماما كبقايا الوشم في"تمبايين" مدينة العشق والاسرار.
اشتهر الرّاحل بلڨاسم بوڨنة بإتقانه للغناء البدوي والأغاني التراثية ذات الإيقاع الصحراوي، وكان صاحب أداء مرهف وقدرة كبيرة على التأثير، انتج حوالي 11البوما موسيقيا وقدم اغان لكبار الشعراء فغنى لمحمد الطويل واحمد البرغوثي، عرف بالعديد من الاغاني المميزة.
من اتعبته الغربة يسمع "يا والدة" ومن سكنه الوله يردد "يا سمح الصيفة" والمتعب من الواقع والاغتراب يغني "عندي سبعة سنين" والباحث عن جماليات الحبيبة واسرارها ينصت بخشوع "سمح خجاله" واما المعتز بذاته والمفتخر باصله وفرعه فيرفع الصوت ويردد "ضحضاح" فاغاني بوقنة تمس كل الشرائح والافكار، جميعها تنقل احاسيس انسانية بلغة شاعرية مرهفة ميزتها انين الناي وسحر عجيب في حنجرة بوقنة الذي قاوم كل اشكال النسيان والمرض وردد رغم وجع حصص التصفية وآلام مرض القصور الكلوي "مازلت في الكون راكب حصاني" ولكن راكب الحصان ترجّل، تعبت الحنجرة من الغناء للحب وانهكت الادوية الجسد الصحراوي فقرر السكينة والالتحاف برمال الصحراء ونجومها لتكون مثواه الاخير ورحل بوقنة.
 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115