بتحديات متجددة تتمثل في حاجتها إلى تعبئة موارد لتمويل ميزانيتها وخدمة الدين مقابل بيئة مالية دولية أصبحت أكثر تشدداً وكلفة وفق التقارير العالمية. فارتفاع عوائد السندات الحكومية في الولايات المتحدة وأوروبا يعيد طرح كلفة الوصول إلى التمويل الخارجي بالنسبة إلى الاقتصاديات ذات الاحتياجات التمويلية المرتفعة على غرار تونس.
في وقت لا تزال فيه تونس تعتمد بدرجة كبيرة على السوق الداخلية ومصادر التمويل الثنائية والمتعددة الأطراف الدولية تشهد أسواق السندات العالمية موجة ارتفاع في العوائد إذ صعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 5.34% وهو أعلى مستوى منذ سنة 2002 بينما امتدت الضغوط إلى السندات الأوروبية والبريطانية واليابانية. وترتبط هذه الحركة بالمخاوف بشأن العجز والدين العام وارتفاع احتياجات الاقتراض، إلى جانب استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع توقعات أسعار الفائدة.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة إلى تونس التي تضمنت برمجة قانون المالية لسنة 2026 عودة إلى الاعتماد على الاقتراض الخارجي لتغطية جزء من احتياجات الخزينة. فقد حدد القانون موارد الاقتراض الخارجي في حدود 6.8 مليار دينار مقابل 19 مليار دينار من الاقتراض الداخلي.
وكانت الحكومة قد أعلنت منذ إعداد ميزانية 2026 عن توجه نحو العودة إلى السوق المالية الدولية، بعد آخر إصدار رقاعي دولي رئيسي لتونس سنة 2019. غير أن هذه العودة لا تبدو بالبساطة نفسها التي كانت عليها في فترات سابقة رغم أن تونس قالت إن خروجها سيكون وفق شروطها لكن الأمر ليس بتلك البساطة. وفي هذا السياق، أمضت تونس في جوان الماضي اتفاق تمويل مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد بقيمة 500 مليون دولار أي نحو 1.471 مليار دينار لدعم تعبئة الموارد الخارجية المبرمجة في قانون المالية لسنة 2026 وتمويل حاجيات إستراتيجية من بينها واردات الطاقة والمواد الغذائية. وتزداد أهمية هذا الخيار أي الاقتراض المتعدد الأطراف في ظل ارتفاع تكلفة الاقتراض الدولي، خاصة بالنسبة إلى دولة ذات تصنيف سلبي .
وفي ظل صعوبة التمويل الخارجي يتزايد الضغط على السوق المحلية. فقد أكدت الحكومة في جويلية الماضي أنها تمكنت من تعبئة نحو 40 % من حاجياتها من الاقتراض الداخلي في إطار تنفيذ ميزانية 2026 كما دعت البنوك إلى مواصلة المشاركة في إصدارات أذون الخزينة خلال النصف الثاني من السنة. ويطرح هذا المسار بدوره مسألة قدرة الجهاز البنكي المحلي على تمويل حاجيات الدولة دون التأثير في تمويل المؤسسات والاستثمار الخاص. وتكشف هذه المعطيات أن التحديات بالنسبة إلى تونس لم تعد مرتبطة فقط بتوفير الأموال اللازمة لسد فجوة الميزانية وإنما أيضاً بتوفيرها بالكلفة التي لا تزيد من اتساع الدين العمومي.