في تونس مع طرح فرص الاستثمار في هذا المجال، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي سباقاً متزايداً لتأمين المواد الأولية التي أصبحت مرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا والصناعة. وتبحث تونس عن موقع لها في هذه التحولات.
ناقش المجلس الاستراتيجي للهيئة التونسية للاستثمار خلال دورته الخامسة والعشرين فرص الاستثمار في المعادن الحرجة، وتأثير التحولات الجيوسياسية على سلاسل القيمة العالمية، إلى جانب إمكانات تونس في استقطاب استثمارات جديدة وتطوير أنشطة ذات قيمة مضافة أعلى. وتضمن التقرير الذي عرض خلال الاجتماع عنوان "المعادن الحرجة في ظل التحولات الجيوسياسية العالمية: أي فرص استثمارية لتونس؟".
وتكتسب المسألة أهمية أكبر في ظل التحولات التي يشهدها السوق العالمي. فوكالة الطاقة الدولية تشير في تقريرها لسنة 2026 إلى استمرار مخاطر تركز إنتاج وتكرير عدد من المعادن الأساسية في عدد محدود من البلدان، كما تتوقع بقاء فجوة بين العرض والطلب في النحاس والليثيوم إلى سنة 2035، رغم تحسن توقعات العرض مقارنة بالتقديرات السابقة. وسجلت أسعار النحاس مستويات قياسية في بداية 2026، فيما تضاعفت أسعار الليثيوم بأكثر من مرة مقارنة بمستوياتها السابقة، مدفوعة بالطلب على تخزين الطاقة ومحدودية الإمدادات.
بالنسبة إلى تونس يعد الفسفاط المعدن الأهم في الثروات الطبيعية لتونس على الرغم من تراجعه في السنوات الأخيرة إلى مستويات متدنية مقارنة بالإمكانات الحقيقية للقطاع. هذا التراجع يضع مسألة تطوير الموارد المعدنية ضرورة وليس اختيارا. فالسوق العالمية لا تبحث فقط عن استخراج المادة الأولية بل عن تأمين حلقات متكاملة تشمل النقل والتحويل والتكرير وإنتاج المواد الوسيطة والمنتجات الصناعية. وتؤكد وكالة الطاقة الدولية أن الاستثمارات العالمية مازالت تميل أكثر إلى المناجم مقارنة بقدرات التكرير والتصنيع وهو ما يخلق فرصا للبلدان التي تتوفر على ثروات.
وحسب بيانات الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026 بلغت صادرات النحاس ومصنوعاته نحو 344.7 مليون دينار مقابل واردات بقيمة 1.956 مليار دينار. وسجلت صادرات هذا زيادة بنحو 41.4 % مقارنة بالفترة نفسها من 2025 بينما ارتفعت الواردات بنحو 32.1 %.
وبذلك بلغ العجز التجاري في النحاس خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 حوالي 1.61 مليار دينار وهو مايكشف في المقابل عن حجم اعتماد الصناعة التونسية على السوق الخارجية لتأمين منتجات النحاس. وتتزامن هذه المعطيات مع ارتفاع أهمية النحاس في الاقتصاد العالمي. فالنحاس يدخل في شبكات الكهرباء والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة ومختلف الصناعات المرتبطة بالتحول الطاقي. وتعتبر وكالة الطاقة الدولية أن النحاس من أبرز المعادن التي تواجه مخاطر في جانب الإمدادات، وتتوقع استمرار فجوة العرض حتى 2035 وفق المشاريع الحالية.
ولا يقتصر الأمر على النحاس. فقد أظهرت بيانات التجارة الخارجية خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 ارتفاع واردات الألمنيوم إلى نحو 747 مليون دينار مقابل صادرات بحوالي 412.7 مليون دينار، في حين بلغت واردات الحديد والصلب حوالي 1.58 مليار دينار مقابل صادرات في حدود 288.9 مليون دينار. أما الزنك فقد بلغت وارداته نحو 57.6 مليون دينار مقابل صادرات بحوالي 15.5 مليون دينار.
وتشير هذه الأرقام إلى وجود قاعدة صناعية تتعامل مع المعادن وتصدر جزءا من المنتجات المصنوعة منها لكنها في الوقت نفسه تعتمد على واردات مهمة من المواد والمنتجات المعدنية. وبالتالي فإن الفرصة الاستثمارية لا تتمثل بالضرورة في استكشافات جديدة وإنما يمكن أن تكون أيضا في تطوير الصناعات التي تستعمل هذه المواد.
فالمنافسة على المعادن الحرجة لا تعني بالضرورة أن تكون الدولة منتجاً كبيرا للمواد الخام وإنما يمكن أن تكون جزءاً من سلسلة القيمة من خلال التصنيع . وتبرز أهمية هذا التوجه في ظرف ترتفع فيه حاجة الاقتصاد التونسي إلى الاستثمار والتصدير وتقليص الضغط على الواردات. فقد بلغت واردات تونس خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 62.59 مليار دينار مقابل صادرات في حدود 44.7 مليار دينار، ليسجل العجز التجاري حوالي 17.9 مليار دينار.