الجامعات التونسية وتعدد الاختصاصات العالمي خاصة وإقبال الإناث عليها وغيرها من المؤشرات التي تعد نقطة ايجابية للتعليم العالي في تونس لكن ما يتم احتجاجات لعاطلين عن العمل من أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم يكشف عن فجوة بين سوق الشغل والمتخرجين من الجامعات فلمن يتخرج الآلاف سنويا؟
يتخرج من الجامعات التونسية بمختلف أصنافها أكثر من 70 ألف سنويا لكن السؤال الذي يفرض نفسه لا يتعلق بعدد المتخرجين بقدر ما يرتبط بقدرة سوق الشغل على استيعابهم. ففي السنة الجامعية 2023-2024 تجاوز مجموع خريجي التعليم العالي في القطاعين العمومي والخاص ال 71 الف مع تفوق واضح للإناث.
ولئن سجّل عدد خريجي التعليم العالي تراجعاً بـ3% خلال 2019/2020 مقارنة بالسنة السابقة فقد ارتفع بـ3.5% في 2020/2021 ثم بـ9.7% في 2021/2022. وتراجع العدد مجدداً بـ7.4% في 2022/2023، قبل أن يقفز بـ14.7% في 2023/2024.
هذه الدفعة الجديدة التي تدخل مبدئيا كطالبي شغل إلى سوق شغل تأتي في وقت لا تزال البطالة بين حاملي الشهائد العليا فيه مرتفعة.
فقد بلغت نسبة البطالة لدى هذه الفئة 26.6 % خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 مقابل 24.2 % خلال الثلاثي الأول من السنة نفسها. وتكشف الأرقام عن تفاوت كبير بين الجنسين إذ بلغت البطالة لدى حاملي الشهائد العليا من الذكور 14.2 % مقابل 35.6 % لدى الإناث.
وفي تونس تطرح إشكاليتين تتعلق بسوق الشغل والمتخرجين من الجامعات إذ توجد أولا مسالة عدد مواطن الشغل المتوفرة ثم مدى ملائمة مواطن الشغل للمهارات والشهادات.
فالفجوة بين الجامعة وسوق الشغل تظهر عندما يجد صاحب الشهادة نفسه أمام سوق لا يوفر بالعدد الكافي الوظائف التي تتناسب مع تكوينه، أوعندما يضطر إلى قبول عمل لا يتوافق مع اختصاصه أو مستواه الدراسي. وقد نشرت عدد من التقارير عن توفر وظائف لا تجد متكونين تتناسب معها.
فسوق الشغل يحتاج إلى كفاءات جديدة تفرضها التحولات الاقتصادية والتكنولوجية. فالاقتصاد يتجه نحو مزيد من الرقمنة، وتوسيع استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتغير طرق الإنتاج والخدمات بما يجعل المهارات المطلوبة في سوق العمل تتغير بدورها. ويطرح هذا على منظومة التعليم العالي تحدي مواكبة هذه التحولات ليس فقط من خلال عدد الخريجين وإنما أيضا من خلال نوعية الاختصاصات والمهارات التي يحملونها عند التخرج.
فحين يتجاوز عدد الخريجين 70 ألفا في سنة جامعية واحدة وتبقى البطالة بين حاملي الشهائد العليا عند 26.6% فإن معالجة العلاقة بين الجامعة وسوق الشغل تصبح ضرورة اقتصادية لا مجرد مسألة مرتبطة بانتظار الخريجين لأول فرصة عمل.
ولئن تعد الهجرة خيارا يفرض نفسه لعدد من حاملي الشهائد العليا فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس كم عدد خرجي الجامعات في السنوات المقبلة، وإنما إلى أي سوق شغل يتخرج هؤلاء؟