الصالون المهني للصناعات التقليدية والإبداع: عندما يصبح التراث محركاً للاقتصاد

تنطلق اليوم  فعاليات الدورة الثالثة من الصالون

المهني للفنون الحرفية والتصميم «ArtiCrea» المنتظم لتتواصل  إلى غاية 11 أكتوبر 2026 بقصر المعارض بالكرم ليعود بذلك هذا النشاط إلى واجهة الاهتمام الاقتصادي والثقافي، باعتبارها قطاعاً لا يختزل في المحافظة على الموروث والهوية، بل يمثل أحد المجالات القادرة على خلق الثروة والتشغيل ودعم المبادرة الخاصة وتنشيط السياحة وتعزيز حضور المنتوج التونسي في الأسواق الخارجية.

  يشهد الصالون مشاركة أكثر من 150 مؤسسة حرفية تونسية ويقدم قطاع  الصناعات التقليدية على انه  نشاطاً اقتصادياً قابلاً للتحديث، يجمع بين الأصالة والتصميم المعاصر والابتكار، ويفتح المجال أمام لقاء المؤسسات الحرفية بالمهنيين والمشترين التونسيين والأجانب.

تكتسب هذه الرهانات وزناً أكبر عند قراءة الأرقام فالمعطيات الرسمية للديوان الوطني للصناعات التقليدية تشير إلى أن القطاع يوفر نشاطاً لنحو 300 ألف حرفي، أي ما يقارب 11% من السكان النشيطين، وتشكل النساء نحو 85% من هذه القوة الحرفية كما تقدر مساهمة الصناعات التقليدية بنحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي و2.5% من الصادرات، مع قدرة على إحداث حوالي 5 آلاف موطن شغل سنوياً.

تكشف كل هذه المؤشرات  أن القطاع ليس هامشياً في الاقتصاد الوطني، بل يمثل قاعدة إنتاج وتشغيل واسعة تمتد إلى مختلف الجهات.

وتزداد قيمة هذه الأرقام في سياق اقتصادي يبحث فيه الاقتصاد التونسي عن محركات جديدة للنمو والتشغيل. فقد بلغ معدل البطالة 14.9% خلال الثلاثي الثاني من 2026، وفق أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء بينما بلغ عدد المشتغلين 3.568 مليون شخص.

وفي هذا السياق، يصبح قطاع قادر على استيعاب أعداد كبيرة من اليد العاملة، وباستثمارات أولية أقل من قطاعات صناعية ثقيلة، مجالاً جديراً بمزيد من الاستثمار العمومي والخاص.

غير أن القيمة الحقيقية للصناعات التقليدية لا تكمن في عدد الحرفيين فقط، بل في قدرتها على خلق سلاسل قيمة محلية. فكل منتوج حرفي يربط بين المواد الأولية والتصميم والإنتاج والنقل والتسويق والتوزيع، ويولد نشاطاً اقتصادياً لفئات متعددة.

كلما انتقلت الحرفة من الإنتاج الفردي المحدود إلى المؤسسة المنظمة، ومن السوق المحلية إلى السوق السياحية والتصديرية، تضاعفت القيمة المضافة التي يمكن أن تحققها للاقتصاد الوطني.

من هذا المنطلق تبرز هنا مسألة التصدير باعتبارها الحلقة التي تحتاج إلى أكبر قدر من الاهتمام. فالديوان الوطني للصناعات التقليدية يعمل خلال 2026 على تعزيز قدرة المؤسسات الحرفية على النفاذ إلى الأسواق الخارجية، من خلال حملات تحسيسية حول إجراءات التصدير والملكية الفكرية وآليات الدعم والمرافقة. كما يتم العمل على مطابقة المنتجات مع المعايير الدولية، وهي خطوة حاسمة خصوصاً بالنسبة للمنتجات الخزفية الموجهة إلى الأسواق الأوروبية والعالمية.

ولا يمكن بناء صناعة حرفية تنافسية في الأسواق العالمية بالاعتماد على الأصالة وحدها. فالمستهلك الدولي يريد منتوجاً أصيلاً، لكنه يريد في الوقت نفسه جودة ثابتة وتصميماً عصرياً وتغليفاً احترافياً وسلامة ومطابقة للمعايير وقدرة على التسليم. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام تونس يتمثل في الانتقال من منطق بيع الحرفة إلى منطق بناء العلامة التجارية، ومن عرض المنتوج التقليدي إلى تطوير منتوج تونسي معاصر يستلهم التراث ويخاطب المستهلك العالمي.

ومن هنا تأتي أهمية التصميم والابتكار والرقمنة. فالقطاع بدأ بالفعل في توسيع دائرة التكوين والتأهيل، إذ استفاد أكثر من 13 ألف شخص من برامج التكوين والمرافقة خلال 2025، بزيادة بلغت 20% مقارنة بسنة 2024. كما يجري دعم مراكز الابتكار والتصميم وإحداث اختصاصات جديدة تستجيب لتغيرات الأسواق، بما يسمح بربط الحرفة بالمعارف الأكاديمية والتكنولوجيات الحديثة.

وتشكل الرقمنة بدورها فرصة لا ينبغي إهدارها. فالحرفي الذي كان يعتمد على الزبون المحلي أو السائح الموجود في تونس أصبح قادراً، عبر التجارة الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي والتسويق الرقمي، على الوصول مباشرة إلى مستهلك في أوروبا أو الخليج أو أميركا. لكن هذا التحول يحتاج إلى مرافقة عملية تشمل التصوير التجاري، وبناء الهوية البصرية، والدفع الإلكتروني، والخدمات اللوجستية، وحماية الملكية الفكرية، حتى تتحول الرقمنة من أداة اتصال إلى قناة حقيقية للبيع والتصدير.

كما أن تطوير الصناعات التقليدية يمثل استثماراً مباشراً في التنمية الجهوية. فالعديد من الحرف مرتبطة جغرافياً بجهات بعينها، وهو ما يمنحها قدرة على خلق نشاط اقتصادي خارج المراكز الكبرى. وعندما تتحول الحرفة إلى مشروع اقتصادي منظم، فإنها تساهم في تثبيت السكان في مناطقهم، وخلق فرص للنساء والشباب، وتنشيط الصناعات والخدمات المرتبطة بها، بما يجعلها أداة من أدوات تحقيق تنمية أكثر توازناً.

وتتقاطع الصناعات التقليدية كذلك مع السياحة، حيث يمكن للمنتوج الحرفي أن يرفع الإنفاق السياحي ويمنح الزائر تجربة أكثر ارتباطاً بالهوية المحلية. فالسائح لا يشتري منتجاً فقط، بل يقتني قصة ومهارة وذاكرة. وهذه القيمة غير المادية يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية متى تم الاستثمار في جودة المنتج والتسويق له وربطه بالمسارات السياحية والثقافية.

لذلك فإن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية اقتصادية واضحة للقطاع تقوم على التمويل والتكوين والتصميم والرقمنة والجودة وحماية الملكية الفكرية وتسهيل التصدير. كما تتطلب تشجيع البنوك والمؤسسات المالية والمستثمرين على النظر إلى المؤسسة الحرفية باعتبارها مشروعاً اقتصادياً قابلاً للنمو، لا مجرد نشاط صغير محدود الأفق.

وإذا كان صالون «ArtiCrea» يمثل اليوم واجهة لهذه الديناميكية، فإن الرهان الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الصالون فهل تتحول اللقاءات المهنية إلى عقود؟ وهل تتحول التصاميم الجديدة إلى منتجات تنافسية؟ وهل يجد الحرفي التونسي طريقه إلى الأسواق العالمية؟ وهل تصبح الحرفة مساراً مهنياً جذاباً لجيل جديد من الشباب؟

تونس لا ينقصها التراث ولا المهارة ولا الإبداع. ما ينقصها هو تحويل هذه الثروة غير المادية إلى قوة اقتصادية منظمة وقابلة للتوسع. فالصناعات التقليدية يمكن أن تكون أحد وجوه تونس الجديدة باقتصاداً يصنع القيمة من الهوية، ويخلق فرص العمل من المهارة، ويحوّل الإبداع المحلي إلى منتوج عالمي. وحين يصبح الخزف والنسيج والنحاس والخشب والجلد علامات تجارية تنافس في الأسواق الدولية، لن يكون التراث التونسي مجرد ذاكرة تحفظها الأجيال بل ثروة وطنية تساهم فعلياً في بناء اقتصاد المستقبل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115