رفعت واشنطن سقف خطابها تجاه البرنامج النووي الإيراني، بعدما قال وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث إن على إيران أن تتخلى عن برنامجها النووي "طوعا أو بالقوة"، في رسالة تتجاوز حدود الضغط السياسي إلى التلويح مجددا بالخيار العسكري.
وقال هيغسيث إن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالمضي في مسارها النووي، واضعا القرار أمام القيادة الإيرانية بين القبول بالمطالب الأمريكية أو مواجهة تبعات رفضها. ويأتي التصريح في وقت تتشابك فيه الحسابات العسكرية والدبلوماسية في المنطقة، بينما تحاول واشنطن فرض معادلة جديدة على طهران تقوم على نزع قدرتها النووية مقابل تجنب مزيد من التصعيد.
ولا تبدو المسألة، في هذا السياق، مجرد خلاف حول برنامج نووي، إذ إن أي مواجهة مفتوحة بين الطرفين قد تتجاوز المنشآت النووية لتطال ملفات إقليمية أوسع، من أمن المنطقة ومضيق هرمز إلى شبكة حلفاء إيران ومصالح الولايات المتحدة العسكرية في المنطقة. ولذلك فإن التهديد الأمريكي باستخدام القوة يضع الدبلوماسية أمام اختبار صعب.
وبينما تتمسك واشنطن بخيار الضغط الأقصى، تدرك طهران أن قبول التخلي عن برنامجها النووي تحت وطأة التهديد العسكري سيعيد رسم معادلات القوة في المنطقة. وفي المقابل، فإن الذهاب إلى مواجهة عسكرية شاملة يحمل مخاطر يصعب حصرها، ما يجعل العبارة التي أطلقها هيغسيث أقرب إلى إنذار مفتوح منه إلى مجرد موقف سياسي عابر.
وساطة صعبة
وفي الوقت الذي تحاول فيه الدوحة إبقاء نافذة التفاوض مفتوحة بين واشنطن وطهران، يعود ملف مضيق هرمز إلى واجهة التصعيد مع إصابة ثلاث ناقلات نفط ترفع العلم الليبيري بمقذوفات مجهولة، في تطوّر يضع المسار الدبلوماسي أمام اختبار بالغ الحساسية. فبينما تلقّت طهران عبر الوسطاء القطريين الرد الأمريكي على مقترح إيراني يقوم على إجراءات لبناء الثقة خلال سبعة أيام، لا تزال الخلافات حول ترتيب الخطوات وشروط تنفيذها تحول دون الانتقال إلى اتفاق واضح.
وتكشف هذه التطورات أن معركة واشنطن وطهران لم تعد تدور فقط حول البرنامج النووي أو العقوبات، وإنما بات ''مضيق هرمز'' نفسه جزءا من معادلة التفاوض"، بعدما تحول من ممر حيوي للتجارة والطاقة إلى ورقة ضغط إستراتيجية تستخدمها الأطراف لإعادة صياغة شروط التسوية. ويرى مراقبون أن إدراج أمن الملاحة وإعادة فتح المضيق ضمن أي تفاهم مقبل يعكس اتساع أجندة المفاوضات من ملف نووي تقليدي إلى ترتيبات أمنية واقتصادية أوسع، يصعب فصلها عن موازين القوة الميدانية.
وتأتي إصابة الناقلات الثلاث في لحظة شديدة التعقيد، إذ أفادت شركة Marisks بأن السفن كانت تعبر المضيق مع إغلاق أجهزة التعرف الآلي الخاصة بها، في محاولة لتقليل احتمالات رصدها. ولم تحدد التقارير الجهة التي تقف وراء الهجمات أو طبيعة المقذوفات، ما يبقي المسؤولية موضع تحقيق، لكنه في المقابل يرفع مستوى المخاطر أمام شركات الشحن التي تحاول استعادة حركة الملاحة عبر واحد من أهم الممرات البحرية العالمية.
تناقض سياسي
ويعتقد محللون أنّ التناقض بين المسار السياسي والمسار الميداني هو السمة الأبرز للمرحلة الراهنة ، فبينما يعمل الوسطاء القطريون على تقريب مواقف الطرفين، تستمر الوقائع العسكرية والأمنية في إنتاج عوامل جديدة للتصعيد. وكانت قطر قد كثفت اتصالاتها بين واشنطن وطهران، فيما أظهرت التطورات الأخيرة أن الاتفاق المحتمل يحتاج إلى معالجة متزامنة لقضايا وقف الأعمال العسكرية، ورفع القيود الاقتصادية، وحرية الملاحة، والملف النووي. وقد أشارت تقارير إلى أن إعادة فتح المضيق تمثل أحد المحاور المركزية في المقترحات المطروحة.
لكن العقدة الأكثر تعقيداً تبدو في ''ترتيب الالتزامات'' ، فبحسب مسؤول مطلع على المحادثات وفق "رويترز"، تلقت إيران الرد الأمريكي على خطة قطرية من سبعة أيام لبناء الثقة، فيما بقي تسلسل الخطوات نقطة الخلاف الرئيسية. وهذا يعني أن المشكلة لم تعد بالضرورة في وجود قنوات اتصال، وإنما في سؤال أكثر حساسية: من يبدأ أولا، ومن يقدم الضمانات، ومن يملك القدرة على التحقق من التزام الطرف الآخر؟.وفي هذا السياق، تبدو عودة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى طهران حاملة للرد الأمريكي أكثر أهمية من مجرد انتقال دبلوماسي، إذ تشير إلى أنّ القرار بشأن المرحلة المقبلة بات مرتبطا بحسابات القيادة الإيرانية الداخلية وبمدى استعداد واشنطن لتقديم مقابل سياسي واقتصادي واضح. وفي المقابل، يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الإبقاء على مساحة واسعة للمناورة، بعدما قال إن الولايات المتحدة قد تضرب إيران أو تتوصل إلى اتفاق، وإن الحرب ستنتهي "قريبا بطريقة أو بأخرى"، مضيفا أن واشنطن تسيطر بشكل شبه كامل على مضيق هرمز.
ويرى خبراء أن هذه اللهجة تحمل رسالتين متوازيتين وهي الأولى موجهة إلى طهران ومفادها أن الخيار العسكري لا يزال قائما، والثانية إلى الوسطاء مفادها أن المسار الدبلوماسي لم يُغلق نهائيا. وبذلك تحاول واشنطن الجمع بين ''الضغط العسكري والمرونة التفاوضية'' بدلا من حسم المسار في اتجاه واحد.
موقف أمريكي
أما على المستوى الدبلوماسي، فإن قرار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مطالبة الوفد الإيراني بمغادرة نيويورك بعد تعثر المحادثات يعكس بدوره حجم الفجوة السياسية بين الجانبين. وتفيد التقارير بأنّ الوفد، الذي كان عراقجي ضمنه، غادر نيويورك متجها إلى الدوحة، فيما تضاربت الروايات بشأن ما إذا كان الطلب الأمريكي يمثل طردا دبلوماسيا فعليا أم تعجيلا بمغادرة كانت مقررة أصلا.
وبين طاولة التفاوض والعراقيل المطروحة، تبدو الأزمة أمام معادلة دقيقة فمع تقدم الوسطاء خطوة نحو التهدئة، جاء تطور ميداني ليعيد رفع منسوب الشكوك، وكلما تصاعدت الضغوط العسكرية، ازدادت الحاجة إلى قناة تفاوضية تمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ويشير خبراء إلى أن أهمية المقترح القطري لا تكمن فقط في إمكانية التوصل إلى هدنة، وإنما في كونه محاولة لاختبار صيغة تدريجية يمكن أن تسمح للطرفين بالخروج من دائرة الحلول الضيقة. فإعادة فتح المضيق، وتخفيف القيود على حركة النفط، ووقف الهجمات، وفتح مسار تفاوضي بشأن الملف النووي يمكن أن تتحول إلى خطوات مترابطة، لكن نجاحها يتوقف على قدرة واشنطن وطهران على قبول مبدأ التنفيذ المتبادل والمتزامن.
وفي المقابل، فإن استمرار استهداف السفن التجارية يهدد بتحويل هرمز من ورقة تفاوض إلى عامل تفجير للمفاوضات نفسها. فالممر شهد بالفعل تراجعا حادا في حركة السفن، إذ أظهرت بيانات سابقة أن عدد السفن التجارية الكبيرة التي عبرته هبط في إحدى الفترات إلى مستويات شديدة الانخفاض مقارنة بما قبل الحرب، فيما استمرت المخاطر على الناقلات رغم محاولات استئناف حركة الشحن.
ومن هنا، يرى مراقبون أن المعركة الحقيقية في المرحلة المقبلة قد لا تكون حول توقيع اتفاق نهائي، بل حول اختبار قدرة الطرفين على إنتاج هدنة قابلة للحياة. فإذا تمكنت الوساطة القطرية من تحويل مقترح الأيام السبعة إلى إجراءات ميدانية متبادلة، فقد يصبح هرمز مدخلا إلى تهدئة أوسع. أما إذا استمرت الهجمات على الناقلات بالتزامن مع التهديدات العسكرية والاتهامات المتبادلة، فإن المضيق قد يتحول إلى نقطة انهيار لأي مسار تفاوضي.
خيار التصعيد
في الأثناء قالت مصادر إن إيران تستعد لرد أوسع وأكثر قوة إذا استأنفت الولايات المتحدة شن هجمات عسكرية واسعة النطاق عليها، في حين تواصل في الوقت نفسه مساعيها الدبلوماسية التي يرى مسؤولون إيرانيون سرا أن نجاحها غير مرجح.
ويعكس هذا التخطيط قناعة لدى القيادة الإيرانية بأن أي حملة أمريكية جديدة يجب أن تقابل برد أقوى من ذي قبل، حتى مع سعي طهران لتجنب التصعيد من خلال المحادثات.وقال ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار ومصدر مطلع على المناقشات إن كبار القادة يراجعون خططا لتوسيع نطاق الأهداف المحتملة لئلا يقتصر على الأصول المرتبطة بالولايات المتحدة ويشمل دولا تدعم العمليات العسكرية الأمريكية، وربما مواقع خارج الشرق الأوسط.ومنذ عودة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من نيويورك الأسبوع الماضي، ركز القادة وكبار المسؤولين على نطاق وتوقيت أي رد في حال شنت واشنطن هجوما آخر.
ولم يتم اتخاذ قرار نهائي، لكن عمليات التخطيط تكثفت في وقت لا يظهر أي من الجانبين مؤشرات على الاستعداد لتقديم أي تنازلات. وتأتي هذه المداولات في أعقاب مرور سبعة أشهر على بدء الصراع بهجمات أمريكية إسرائيلية على إيران في 28 فيفري. وأوقف اتفاق لوقف إطلاق النار العمليات العسكرية الكبرى في الثامن من أبريل نيسان مما أنهى مرحلة من الحرب استمرت 40 يوما، لكن عمليات قتالية وعسكرية تجددت بين الحين والآخر منذ ذلك الحين.
وتدرس طهران أيضا المخاطر السياسية التي قد يتعرض لها ترامب جراء استمرار الصراع لفترة طويلة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الحرب لا تحظى بشعبية لدى الأمريكيين، ولا يزال ارتفاع أسعار الوقود يشكل مصدر قلق قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.وقال اثنان من المسؤولين إن طهران أصدرت تعليمات للجماعات المتحالفة معها في لبنان واليمن والعراق بالاستعداد لدعم إيران في حالة تجدد هجوم أمريكي واسع النطاق.
وقالا إن التوجيهات تتمثل في الاستعداد لاستجابة منسقة تمتد "من مضيق هرمز إلى المصالح الأمريكية في المنطقة وخارج الشرق الأوسط".