يفرض نفسه على أجندة الأمن الجماعي وهي احتمال أن يتجاوز التصعيد الروسي حدود الجبهة الأوكرانية ليطال عمق القارة العجوز. فمؤشرات عدة بدءا من التوغلات بالمسيّرات وصولا إلى التحذيرات الاستخباراتية من عمليات هجينة - باتت تدفع صناع القرار في أوروبا إلى إعادة النظر في جاهزيتهم العسكرية والمدنية على حد سواء، في وقت يرى فيه مراقبون أن القارة تنتقل من موقع الداعم إلى موقع الطرف المستهدف المحتمل.
وتحتل بولونيا موقعا حساسا في هذا المشهد، بحكم موقعها الجغرافي على الجناح الشرقي لحلف الناتو ومجاورتها المباشرة لأوكرانيا. ووفق ما تناقلته تقارير صحفية غربية، حذّر رئيس الوزراء البولوني دونالد توسك من أن معطيات استخباراتية تشير إلى احتمال لجوء موسكو إلى ضربات هجينة، تُنفَّذ عبر مسيّرات وصواريخ، تستهدف الدول الداعمة لكييف.
هذا التحذير لم يقف حد التصريحات، إذ تحرّكت وارسو ميدانيا لتعزيز منظومات الدفاع الجوي وبناء ملاجئ ومنشآت حماية في المناطق الحدودية. غير أن الفجوة بين الاستعداد العسكري والجاهزية المدنية ما زالت واسعةـ فبحسب معطيات متداولة، لا تتجاوز نسبة السكان القادرين على الوصول الفعلي إلى ملاجئ آمنة 4% فقط، ما يضع السلطات أمام تحد مضاعف وهو تعزيز البنية التحتية من جهة، وإقناع المواطنين بجدية الإنذارات من جهة أخرى، خصوصا في مناطق تعوّد سكانها على سماع صفارات الإنذار دون أن تعقبها هجمات فعلية.
تعبئة خفية
ويذهب مسؤولون استخباراتيون غربيون، بحسب ما نقلته تقارير صحفية، إلى أن الكرملين يمهّد تدريجيا لعملية تعبئة غير معلنة، عبر توسيع التجنيد التعاقدي واتخاذ إجراءات إدارية تفتح الباب أمام استدعاء عسكري أوسع نطاقا إذا ما اتُّخذ قرار سياسي بذلك.
ويؤكد خبراء أمنيون أن أي تعبئة روسية جديدة قد لا تقتصر على تعزيز الجبهة الأوكرانية، بل يمكن أن تستغل أيضا لزيادة الحشد العسكري على الحدود الغربية المتاخمة لدول الناتو، وهو ما يفسّر، من وجهة نظرهم، حالة التأهب المتصاعدة في أكثر من عاصمة أوروبية.
من جهته، اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن'' التهديد الروسي الهجين الموجّه ضد فرنسا وأوروبا عموما قد اشتد خلال الأسابيع الأخيرة''، مشيرا إلى'' أن الهدف من هذه العمليات هو ترهيب الدول الأوروبية ودفعها تدريجيا إلى تقليص دعمها لأوكرانيا، بدل المواجهة المباشرة''.
الدبابات الجديدة
وفي لندن، تتجه الحكومة إلى تسريع وتيرة الإنفاق الدفاعي وتحديث خطط الطوارئ المدنية، عبر إعادة صياغة ما يُعرف بـ"كتاب الحرب" السري الذي يحدد ترتيبات الدولة في حال اندلاع أزمة أو نزاع واسع النطاق.
وعلى الصعيد الميداني، تعمل القوات البريطانية على تطوير قدراتها البرية من خلال إدخال دبابات "تشالنغر-3" المزوّدة بمدفع أكثر قوة وأنظمة حماية متقدمة. غير أن انتشار المسيّرات في ساحة المعركة الأوكرانية أعاد فتح نقاش جوهري حول جدوى المدرعات الثقيلة مستقبلا. وفي هذا السياق، يرى الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد بترايوس أن قدرة الدبابات الثقيلة على الصمود في ميدان المعركة باتت أكثر تعقيدا بفعل هذا التطور التقني، في حين يصر ضباط بريطانيون على أن الدبابات لا تزال عنصرا لا غنى عنه للسيطرة على الأرض وحماية القوات البرية.
جبهة جديدة في الحسابات الإستراتيجية
ويرى مراقبون أن المخاوف الأوروبية لم تعد محصورة في الجناح الشرقي وحده؛ فقد شاركت قوات من 11 دولة عضوا في الناتو في مناورات عسكرية واسعة بمنطقة القطب الشمالي، ضمن جهد يهدف إلى ترسيخ حضور الحلف هناك.
ويشير مسؤولون في القيادة الدنماركية المعنية بشؤون القطب الشمالي إلى أن روسيا عزّزت تدريجيا وجودها العسكري في هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة، محذرين من أن أي انتهاء محتمل للحرب في أوكرانيا قد يمنح موسكو هامشا لإعادة توجيه جزء من مواردها العسكرية نحو الشمال. وتزداد أهمية هذا الملف مع تحول غرينلاند إلى ساحة تنافس إستراتيجي متصاعد بين القوى الكبرى، في ظل ذوبان الجليد وانفتاح ممرات ملاحية جديدة، وتزايد النشاط الروسي والصيني في المنطقة.
ويعمل الناتو، وفق ما يرى محللون عسكريون، على تحويل جناحه الشمالي إلى بيئة يصعب اختراقها، عبر تدريب القوات على القتال في الظروف القطبية القاسية، وتطوير قدراتها في مجالات المراقبة والطائرات المسيّرة والعمليات البرمائية.
يبقى الملف الأكثر حساسية هو احتمال تصاعد التهديد النووي،اذ يرى محللون أن مسار التصعيد قد يبدأ بتحذيرات نووية أكثر جدية، أو باستئناف تجارب نووية، قبل أن يصل - في أسوأ السيناريوهات المطروحة - إلى حد استخدام فعلي للسلاح النووي. ويشدد مراقبون على أن القرار الروسي في هذا الشأن سيظل، على الأرجح، مرتبطا بحسابات الكلفة والفائدة الإستراتيجية، لا باعتبار السلاح النووي "محرّما" من حيث المبدأ في العقيدة العسكرية الروسية.
استعدادات لمواجهة أوسع ؟
وبين التحذير من التعبئة الخفية، وتصاعد العمليات الهجينة، والاستعدادات المدنية في بولونيا، وتعزيز الجناح القطبي، وتحديث الترسانة البريطانية، يبدو أن أوروبا تنتقل تدريجيا من منطق التعامل مع الحرب الروسية-الأوكرانية كأزمة إقليمية محدودة، إلى منطق الاستعداد لمواجهة أوسع نطاقا قد تطال أراضي دول الحلف مباشرة.
ورغم أن مراقبين يستبعدون حتى الآن أن تكون حرب مباشرة بين روسيا والناتو أمرا حتميا، فإن التحولات الجارية تعكس، بحسب هؤلاء المراقبين، تغيرا نوعيا وواضحا في حسابات الأمن الأوروبي، إذ باتت الاستعدادات العسكرية والمدنية معا تُدار كجزء من التعامل مع خطر توصفه الحكومات الأوروبية بأنه أكثر اتساعا وتعقيدا من مجرد استمرار القتال داخل الأراضي الأوكرانية.
الاستنفار في أرقام
وفي سياق استعداد دول أوروبا لاحتمال خوض حرب واسعة النطاق مع روسيا، في ظل المخاوف من امتداد الصراع إلى ما بعد حدود أوكرانيا، وهي مخاوف انعكست بوضوح في الارتفاع غير المسبوق للإنفاق الدفاعي الأوروبي وإعادة ترتيب أولويات الأمن القومي.
ووفق أحدث بيانات مجلس الاتحاد الأوروبي، بلغ الإنفاق الدفاعي لدول الاتحاد 418 مليار يورو في عام 2025، بزيادة تقارب 75 % مقارنة بعام 2021، بينما يُتوقع أن يصل إلى نحو 454 مليار يورو في 2026، بما يعادل 2.4% من الناتج المحلي الإجمال لدول الاتحاد. كما ارتفعت الاستثمارات الدفاعية إلى 134 مليار يورو في 2025، بزيادة 23% خلال عام واحد، مع توقع بلوغها نحو 163 مليار يورو في 2026.
وتكشف هذه الأرقام أن أوروبا لا تتعامل مع الحرب الروسية الأوكرانية باعتبارها أزمة عسكرية مؤقتة، وإنما باعتبارها تحولا طويل الأمد في البيئة الأمنية للقارة. وتؤكد وكالة الدفاع الأوروبية أن إنفاق الدول الـ27 على الدفاع بلغ 343 مليار يورو في 2024، بزيادة 19% عن العام السابق، فيما تجاوزت استثمارات المعدات العسكرية حاجز 100 مليار يورو للمرة الأولى، مع توقع ارتفاع الإنفاق الدفاعي إلى 381 مليار يورو في 2025، أي نحو 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
واللافت أن التحول الأوروبي لا ينفصل عن إعادة صياغة عقيدة الناتو الدفاعية. فقد اتفق قادة الحلف في قمة لاهاي عام 2025 على رفع الإنفاق إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا بحلول 2035، منها 3.5% للمتطلبات الدفاعية الأساسية و1.5% للاستثمارات المرتبطة بالدفاع والأمن، بما في ذلك حماية البنية التحتية والشبكات والجاهزية المدنية والابتكار. ويشير الناتو إلى أن الدول الأوروبية الأعضاء في الحلف وكندا رفعت إنفاقها الدفاعي الحقيقي بنحو 20% في 2025 مقارنة بـ2024.
ويرى البنك المركزي الأوروبي أنّ حجم الإنفاق الدفاعي يرتبط بصورة واضحة بدرجة قرب الدول من روسيا، باعتبارها مؤشرا على مستوى المخاطر الجيوسياسية التي تواجهها، وهو ما يفسر ارتفاع الضغوط المالية على دول الجناح الشرقي للناتو بصورة أكبر من غيرها. ويعني ذلك أنّ الخريطة الدفاعية الأوروبية باتت تتشكل بدرجة متزايدة وفق الجغرافيا الأمنية للحرب الروسية الأوكرانية، من بولندا ودول البلطيق إلى رومانيا ودول شمال أوروبا.
لكن زيادة الإنفاق لا تعني بالضرورة أنّ أوروبا أغلقت فجواتها العسكرية والتكنولوجية. فاللجنة الأوروبية أقرت ضمن خارطة الجاهزية الدفاعية 2030 ضرورة زيادة الاستثمار بصورة مستدامة، مشيرة إلى أن الإنفاق الدفاعي الأوروبي ظل في السنوات الماضية أقل من الولايات المتحدة وروسيا والصين. وفي الوقت نفسه، ارتفع الإنفاق الأوروبي على البحث والتطوير الدفاعي إلى 17 مليار يورو في 2025، مع توقع وصوله إلى 20 مليار يورو في 2026، ما يعكس محاولة أوروبية لتقليص الفجوة في التكنولوجيا العسكرية والابتكار.
وبذلك، تكشف الأرقام عن تحول جوهري في الحسابات الأوروبية من تمويل جيوش قادرة على خوض عمليات محدودة إلى بناء قدرات تسمح بالتعامل مع احتمال مواجهة طويلة ومكلفة على الجبهة الشرقية. وبينما ترفع أوروبا الإنفاق على الدفاع الجوي والصواريخ والطائرات المسيّرة والذخائر والبنية التحتية العسكرية، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الزيادة المالية ستتحول فعلا إلى قدرة عسكرية أوروبية متكاملة، أم أنّ تعدد الجيوش والأنظمة والتجهيزات سيبقي القارة أمام فجوات يصعب سدّها في حال تحوّلت الحرب من أوكرانيا إلى مواجهة أوسع.