بين الولايات المتحدة وإيران إلى الواجهة، مع تحذير واشنطن حلفاءها في الشرق الأوسط من تداعيات شنّ هجمات جديدة على طهران عقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي المقررة يوم غد الثلاثاء 3 نوفمبر ، ودعوتهم إلى الاستعداد لرد إيراني قد يطال منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية في المنطقة. وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في الخليج وإقالة مسؤول بارز عن التخطيط الاستراتيجي في هيئة الأركان المشتركة، في تطورات تعيد طرح التساؤلات بشأن الخيارات التي يدرسها الرئيس دونالد ترامب وحدود التصعيد المحتمل.
وتتقاطع هذه التحذيرات مع ما أوردته صحيفة "وول ستريت جورنال" بشأن إبلاغ دول خليجية بضرورة الاستعداد لاحتمال تصعيد عسكري جديد. كما تأتي في وقت تترقب فيه العواصم الإقليمية طبيعة الخطوة الأمريكية المقبلة، بين تنفيذ عملية عسكرية محدودة تستهدف مواقع إيرانية محددة، أو العودة إلى حملة أوسع قد تفتح جبهات إضافية وتزيد المخاطر على المصالح الأمريكية وحلفائها.
إقالة مسؤول التخطيط العسكري
وفي تطور مواز، أفادت تقارير أمريكية بإقالة اللفتنانت جنرال بريت سيلفيا من منصبه مديرا للإستراتيجية والخطط والسياسات في هيئة الأركان المشتركة، وهو موقع محوري في إعداد التصورات العسكرية وربط التخطيط العملياتي بالتوجهات الإستراتيجية للقيادة الأمريكية. وأوردت مجلة "ذي أتلانتيك" نبأ الإقالة، قبل أن تؤكد تقارير أمريكية أخرى مغادرته المنصب، من دون إعلان رسمي واضح عن خلفيات القرار أو تسمية بديل مباشر له.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من توقيتها، إذ تأتي بينما يدرس البيت الأبيض خيارات التعامل مع إيران، وفي ظل سلسلة تغييرات طالت قيادات عسكرية بارزة منذ عودة ترامب إلى السلطة. وكان وزير الدفاع بيت هيغسيث قد أعلن في سبتمبر الماضي خفض عدد الجنرالات والأميرالات بنسبة 20 في المائة، مقدماً الخطوة باعتبارها جزءا من مساعٍ لتعزيز المساءلة وإعادة توجيه المؤسسة العسكرية نحو أولويات القتال.
ووفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية، فإن إقالة سيلفيا لم تُرفق في البداية بتفسير علني واضح، وهو ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن انعكاس التغييرات القيادية على آليات إعداد الخطط العسكرية. غير أن تزامنها مع التهديدات المتعلقة بإيران لا يكفي وحده لإثبات وجود ارتباط مباشر بين القرار والتحضير لضربة جديدة.
ويرى مراقبون أن أهمية هذا التطور تكمن في حساسية الموقع الذي شغله سيلفيا، لا في الإقالة وحدها؛ إذ تتطلب أي عملية عسكرية واسعة تنسيقاً بين القيادة السياسية ووزارة الدفاع وهيئة الأركان والقيادات الميدانية. ومن ثم، فإن استقرار هياكل التخطيط وتحديد المسؤوليات يظلان عاملين أساسيين في إدارة عمليات معقدة قد تتجاوز أهدافها العسكرية المباشرة إلى حسابات الردع وحماية القوات والمصالح الأمريكية في المنطقة.
تعزيزات عسكرية
على المستوى الميداني، عززت واشنطن حضورها العسكري في المنطقة، إذ دفعت وزارة الدفاع الأمريكية، أواخر سبتمبر الماضي، بحاملة الطائرات "يو إس إس ثيودور روزفلت" وسفن برمائية تقلّ عناصر من مشاة البحرية، ضمن تحركات انطلقت من سان دييغو باتجاه المنطقة، وشملت نحو تسعة آلاف جندي وفق التقارير المتداولة.
وتأتي هذه التعزيزات امتدادا لحشد عسكري أمريكي شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية. ففي أفريل الماضي، نشرت البحرية الأمريكية ثلاث حاملات طائرات في الشرق الأوسط في وقت واحد، للمرة الأولى منذ عام 2003، في خطوة عكست حجم الاستعدادات العسكرية التي رافقت المواجهة مع إيران.
وتتيح حاملات الطائرات والسفن البرمائية والطائرات المرافقة لها خيارات متعددة، تشمل تنفيذ ضربات جوية، وتعزيز حماية القوات والقواعد، ودعم عمليات الإجلاء أو الاستجابة لتطورات طارئة. لكن وجود هذه القدرات لا يعني بالضرورة أن قرار الهجوم قد اتُّخذ، إذ يمكن أن تُستخدم أيضاً في إطار الردع والضغط العسكري وتهيئة خيارات إضافية أمام الإدارة الأمريكية.
ويشير محللون إلى أن الحشد العسكري يمنح واشنطن قدرة أكبر على التحرك السريع، لكنه يرفع في الوقت ذاته مستوى المخاطر على القوات المنتشرة في المنطقة، خصوصاً إذا ردت إيران باستهداف قواعد أو منشآت مرتبطة بالوجود الأمريكي. كما أن اتساع شبكة المصالح العسكرية والاقتصادية للدول الخليجية يجعل أي مواجهة جديدة مسألة إقليمية تتجاوز حدود الأراضي الإيرانية.
انتخابات التجديد النصفي
ويرى مراقبون أنه لا يمكن فصل توقيت التهديدات الأمريكية عن الاستحقاق الانتخابي المقرر في الثالث من نوفمبر. فقد ركز ترامب خلال الأسابيع الأخيرة على دعم مرشحي الحزب الجمهوري، بينما تجنب تقديم توضيحات حاسمة بشأن خطته المقبلة تجاه إيران، رغم حديثه عن احتمال تنفيذ عملية عسكرية جديدة.
وكان الرئيس الأمريكي قد أشار الأسبوع الماضي إلى إمكانية تنفيذ عملية أخرى محدودة، مستخدما تسمية ''الغضب الملحمي'' التي ارتبطت بالحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية السابقة على إيران. وتعكس هذه التصريحات استمرار الخيار العسكري ضمن حسابات الإدارة، لكنها لا تمثل إعلاناً رسمياً بصدور قرار نهائي باستئناف الحرب.
ويرى متابعون أن موعد الانتخابات يضيف بعداً سياسياً إلى إدارة الأزمة، إذ تواجه الإدارة الأمريكية ضرورة الموازنة بين إظهار القدرة على الردع وتحقيق أهدافها المعلنة تجاه البرنامج النووي الإيراني، وبين التداعيات الاقتصادية والأمنية لحرب ممتدة. وقد أصبحت كلفة المواجهة وأسعار الوقود وانعكاساتها على الاقتصاد الأمريكي عناصر حاضرة في النقاش الداخلي، بما يجعل توقيت أي تصعيد جديد موضع حسابات سياسية وعسكرية متداخلة.
وفي المقابل، لا تعني هذه الحسابات أن الانتخابات ستحدد وحدها قرار الحرب أو السلام، فطبيعة الأهداف العسكرية، وتقديرات المخاطر، ومستوى الاستعداد العملياتي، ومواقف الحلفاء، كلها عوامل تدخل في عملية اتخاذ القرار. لذلك يبقى الربط بين موعد الانتخابات واحتمال الهجوم قراءة للتوقيت السياسي، وليس دليلا قاطعا على أن العملية ستبدأ فور انتهاء التصويت.
تصريحات متباينة
في الاثناء قال وزير الخارجية الأمريكية ماركو روبيو، إن الرئيس دونالد ترامب لم يتخذ بعد قرارا بشأن استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، وذلك بعد أن صرح وزير الخارجية الإيراني بعدم وجود خطط لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، كما أصدر الزعيم الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي أوامر للقوات المسلحة بالرد الفوري "دون أي قيود جغرافية على أي تهديد من العدو".
وذكر روبيو، في مؤتمر صحفي، أنه لا يعلم ما إذا كان هناك إطار زمني محدد للمحادثات التي تقودها قطر بهدف تسوية الأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران. وكانت وكالة "رويترز" قد أفادت، في وقت سابق من يوم السبت، بأن مسؤولين إيرانيين التقوا وسطاء قطريين في الدوحة.
وفي تعليق فوري على التصريح الأمريكي، قال المسؤول الأمني الإيراني، محسن رضائي، "نبرتهم تغيرت تماماً، وهذا مؤشر جيد؛ إذ يعكس انتصار الشعب الإيراني"، حسبما أفادت وكالات الأنباء الإيرانية.
وصرح رضائي للتلفزيون الرسمي، بأن إيران تتابع المسار الدبلوماسي بجدية، لكنها لن تتخلى عن حقوق الشعب الإيراني، مضيفاً: "يجب أن تنتهي الحرب بشكل دائم، وألا تجرؤ أي دولة على مهاجمة إيران مجدداً".
وأوضح أنه طهران تناقش ما إذا كانت ستحافظ على حظرها طويل الأمد للأسلحة النووية في حال تجدد الأعمال العدائية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه لم يُتخذ أي قرار بإجراء أي تغييرات في هذا الشأن.
تكلفة الحرب تجاوزت 47 مليار دولار
على صعيد متصل أظهرت بيانات صادرة عن وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاغون) وفق"رويترز"، أن الجيش أنفق حتى الآن أكثر من 47 مليار دولار في الحرب على إيران، بزيادة تتجاوز 25 بالمئة مقارنة بتقدير الوزارة في جويلية الماضي.
وكانت الحصة الأكبر من الكلفة التشغيلية للحرب مخصصة لتعويض الذخائر المستخدمة، بما يزيد على 29 مليار دولار، فضلا عن أكثر من 6 مليارات دولار لاستبدال العتاد العسكري.
ولم تكشف الأرقام بوضوح ما إذا كان ذلك يتضمن كلفة إصلاح الأضرار التي أصابت قواعد أمريكية، نتيجة هجمات إيران بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
ووفقا لأحدث تقديرات التكلفة، أنفقت القوات الجوية، على سبيل المثال، 7.6 مليار دولار لتغطية عمليات عشرات أسراب الطائرات المقاتلة والقاذفة.
كما تكبدت البحرية 1.5 مليار دولار لنشر أكثر من 24 قطعة بحرية حربية، بما في ذلك عدة حاملات طائرات.
وبلغت تكلفة دعم قوات الجيش (القوات البرية) في المنطقة 2.1 مليار دولار.وبحسب القيادة الوسطى الأمريكية (سنتكوم)، يشارك إجمالا أكثر من 50 ألف جندي في هذه المهمة الحربية.
وتسود حالة من الجمود الصراع حاليا، وسط احتمالات قوية باستئناف الحرب في أعقاب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، المقررة يوم غد الثالث من نوفمبر.