548 مليون دينار مشاريع فلاحية مصادق عليها في 2025 مراوحة بين مؤشرات النمو وحدود التأثير الاقتصادي

تكشف بيانات وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية الخاصة بسنة 2025
صورة تبدو إيجابية من الوهلة الأولى، إذ ارتفعت قيمة الاستثمارات الفلاحية الخاصة المصادق عليها بنسبة 15 % لتبلغ نحو 548 مليون دينار، كما زادت قيمة الاستثمارات المصرح بها بنسبة 6 % لتتجاوز 1,27 مليار دينار ، غير أن هذه الصورة تخفي في المقابل معطى لا يقل أهمية، يتمثل في تراجع عدد العمليات الاستثمارية سواء المصادق عليها أو المصرح بها، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا يتعلق باهمية الاستثمار الفلاحي وهل أصبح أكثر جودة وحجمًا، أم أن كلفة الاستثمار المرتفعة باتت تقلص عدد المستثمرين القادرين على دخول القطاع؟ هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظرف اقتصادي يتسم بارتفاع تكاليف الإنتاج، وتذبذب الموارد المائية، وتغير المناخ، وارتفاع كلفة التمويل، وهي عوامل جعلت الاستثمار الفلاحي في السنوات الأخيرة أكثر تعقيدًا وأكثر ارتباطًا بقدرة المستثمر على تحمل المخاطر. أموال أكثر ومستثمرون أقل بلغت الاستثمارات الفلاحية الخاصة المصادق عليها خلال كامل سنة 2025 ما قيمته 547.991 مليون دينار موزعة على 6513 عملية استثمارية، بزيادة في القيمة بلغت 15 بالمائة مقارنة بسنة 2024، في حين انخفض عدد العمليات بنسبة 7 بالمائة. أما الاستثمارات المصرح بها فقد بلغت 1277.551 مليون دينار موزعة على 9343 عملية، مسجلة ارتفاعًا في القيمة بنسبة 6 بالمائة مقابل تراجع عدد المشاريع بنسبة 13 بالمائة مقارنة بالسنة الماضية. هذه المفارقة تستحق الوقوف عندها، فمن جهة، يبدو أن المستثمرين الذين تمكنوا من إنجاز مشاريعهم اتجهوا نحو استثمارات أكبر حجمًا وأكثر كلفة، لكن من جهة أخرى، فإن تقلص عدد العمليات قد يكون مؤشرًا على صعوبة دخول مستثمرين جدد إلى القطاع، خاصة من صغار الفلاحين أو الشباب الراغبين في بعث مشاريعهم. بعيدًا عن القراءة السطحية للأرقام وفي مثل هذه الحالات، يصبح من الضروري التمييز بين نمو القيمة المالية للاستثمارات وبين توسع القاعدة الاستثمارية، لأن التنمية المستدامة لا تقوم فقط على مشاريع كبيرة، بل تحتاج أيضًا إلى بيئة تسمح بتجدد المبادرات وارتفاع عدد المستثمرين. في حقيقة الأمر فإن الأرقام وحدها ليست كافية للحكم على صحة الاقتصاد، حيث ان ارتفاع قيمة الاستثمارات ليست بالضرورة تاكيدا على الدخول الى مرحلة التعافي ،ففي الاقتصاد، تكمن أهمية المؤشرات في قراءتها مجتمعة، وربطها بالسياق الذي أنتجها، وبالنتائج المنتظرة منها على الإنتاج والتشغيل والتنمية. التمويل وسلوك المستثمرين تعكس تركيبة التمويل بدورها تغيرًا في المشهد الاستثماري، فقد ارتفع التمويل الذاتي إلى 259.3 مليون دينار، مسجلًا زيادة بنسبة 16 بالمائة، بما يؤكد استمرار اعتماد المستثمرين على مواردهم الخاصة رغم الضغوط الاقتصادية، في المقابل، سجلت القروض ارتفاعًا لافتًا بنسبة 40 % لتبلغ 155.7 مليون دينار، وهو تطور قد يعكس تحسنًا نسبيًا في ولوج المستثمرين إلى التمويل البنكي، لكنه يعكس أيضًا زيادة الحاجة إلى الاقتراض لمواجهة ارتفاع كلفة الاستثمار. أما المنح العمومية فقد تراجعت بنسبة 7 % لتستقر عند 132.9 مليون دينار، وهو معطى يثير تساؤلات حول مدى قدرة الحوافز العمومية على مواكبة احتياجات القطاع، خاصة بالنسبة للمشاريع الصغرى والمتوسطة التي تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم العمومي لتجاوز مرحلة الانطلاق. وفي سياق يتسم بتزايد المخاطر المناخية وتقلب المردودية الزراعية، يبقى التمويل أحد أبرز محددات الاستثمار، إذ لا يتعلق الأمر فقط بالحصول على قرض، بل أيضًا بكلفة هذا التمويل، وآجال السداد، ومدى توافقها مع خصوصية النشاط الفلاحي الذي لا يحقق عائدًا سريعًا في أغلب الأحيان. خريطة الاستثمار والتفاوت الجهوي يقودنا المعطى الرقمي إلى قراءة أكثر عمق حيث أظهرت البيانات أن الإقليم الثالث، الذي يضم القيروان وسوسة والمنستير والمهدية والقصرين وسليانة، استحوذ على 32 % من إجمالي الاستثمارات المصادق عليها بقيمة بلغت 177.8 مليون دينار. وجاء الإقليم الرابع في المرتبة الثانية بنسبة 24 %، فيما سجل الإقليم الثاني أعلى نسبة نمو بلغت 48 % مقارنة بسنة 2024. هذه المؤشرات تخفي وراءها واقعًا أكثر تعقيدًا فرغم أهميتها، فهي تعيد إلى الواجهة إشكالية التوازن الجهوي في الإستثمار الفلاحي، فالجهات الداخلية، التي تمتلك في كثير من الأحيان أكبر الإمكانيات الفلاحية، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الاستثمارات في البنية الأساسية، وشبكات الري، والطرقات الفلاحية، ومراكز التخزين والتحويل، حتى تتحول الإمكانات الطبيعية إلى قيمة اقتصادية فعلية، فالاستثمار لا يتحرك وفق وفرة الأراضي فقط، وإنما وفق منظومة متكاملة توفر للمستثمر الخدمات والتمويل والأسواق والبنية التحتية. تربية الأحياء المائية مستقبل الفلاحة رغم أن قطاع الفلاحة التقليدية استحوذ على أكثر من نصف الاستثمارات المصادق عليها بقيمة بلغت 275.342 مليون دينار، فإن المفاجأة الحقيقية جاءت من قطاع تربية الأحياء المائية الذي قفزت استثماراته إلى 88 مليون دينار بعد أن كانت لا تتجاوز 25.956 مليون دينار خلال سنة 2024. هذا المعطى الرقمي يقود إلى قراءة أخرى حيث لا يمثل مجرد زيادة رقمية، بل يعكس تحولًا في توجهات المستثمرين نحو أنشطة تحقق قيمة مضافة أعلى، وتتمتع بإمكانات تصديرية أكبر، كما أنها أقل ارتباطًا ببعض الإكراهات التي تواجه الزراعات التقليدية. وهذا التوجه ينسجم مع التحولات العالمية التي تدفع نحو تنويع مصادر الإنتاج الغذائي، والاعتماد على أنشطة أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وهو ما قد يفتح آفاقًا جديدة أمام الاقتصاد الفلاحي التونسي إذا ما رافقته سياسات دعم واضحة واستثمارات في البحث العلمي والتكوين. الشباب والنساء مشاركة محدودة بلغت استثمارات الباعثين الشبان 51 مليون دينار، أي ما يعادل 10 % فقط من مجموع الاستثمارات المصادق عليها، في حين لم تتجاوز استثمارات النساء 18.605 مليون دينار، أي 3.6 % من الإجمالي. ورغم أن هذه الأرقام تعكس وجودًا متواصلًا لهاتين الفئتين، فإنها تكشف أيضًا أن الاستثمار الفلاحي لا يزال بعيدًا عن تحقيق الإدماج الاقتصادي الذي تراهن عليه السياسات العمومية. الواضح ان القطاع يحتاج إلى تجديد أجياله، وإلى استقطاب كفاءات شابة قادرة على توظيف التكنولوجيا الحديثة والرقمنة والذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتسويق وإدارة الموارد، لكن هذا الأمر يقتضي ايضا تجاوز المقاربة القائمة على الدعم المالي وحده، نحو منظومة متكاملة تشمل التكوين والإحاطة والتمويل والتأمين. أما الشركات الأهلية، التي تمثل أحد الخيارات الجديدة في السياسات الاقتصادية، فقد سجلت 35 مشروعًا فقط بقيمة 8،9 مليون دينار، وهو ما يشير إلى أن مساهمتها لا تزال في بداياتها ولم تتحول بعد إلى فاعل اقتصادي مؤثر داخل القطاع. الاستثمار الأجنبي دون الإمكانات من بين أبرز المؤشرات التي حملتها بيانات سنة 2025، ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر المصادق عليه في القطاع الفلاحي من نحو 8 ملايين دينار خلال سنة 2024 إلى قرابة 21 مليون دينار مع نهاية سنة 2025. ورغم أن نسبة النمو تبدو مهمة، فإن القيمة المطلقة تظل محدودة مقارنة بالإمكانات الطبيعية التي تتمتع بها تونس، سواء من حيث تنوع المنتجات الزراعية أو الموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية والإفريقية. ولا يزال استقطاب المستثمرين الأجانب مرتبطًا بعوامل تتجاوز الحوافز المالية، من بينها استقرار الإطار القانوني، وسرعة الإجراءات الإدارية، وتوفير رؤية واضحة للسياسات الفلاحية، فضلًا عن ضمان الأمن المائي، الذي أصبح اليوم عنصرًا حاسمًا في اتخاذ القرار الاستثماري. وفي الوقت ذاته، تشير المشاريع المصادق عليها إلى إمكانية إحداث 3015 موطن شغل مباشر، وهو أثر اجتماعي مهم، لكنه يظل محدودًا مقارنة بحجم التحديات التي يواجهها سوق العمل، الأمر الذي يجعل الرهان الحقيقي يتمثل في رفع جودة الاستثمار وقدرته على خلق فرص عمل مستدامة ذات إنتاجية مرتفعة. بين المؤشرات المشجعة والإصلاحات الضرورية تعكس نتائج سنة 2025 أن الاستثمار الفلاحي في تونس لا يزال يحتفظ بجاذبيته رغم الصعوبات الاقتصادية والمناخية، وهو ما يمثل رسالة إيجابية بشأن قدرة القطاع على استقطاب رؤوس الأموال، لكن القراءة الاقتصادية المتأنية تؤكد أيضًا أن ارتفاع قيمة الاستثمارات لا ينبغي أن يحجب جملة من التحديات، أبرزها تقلص عدد المشاريع، وضعف مساهمة الشباب والنساء، واستمرار التفاوت الجهوي، فضلاً عن محدودية الاستثمار الأجنبي مقارنة بالإمكانات المتاحة. ويبقى نجاح الاستثمار الفلاحي مرهونًا بقدرته على تحقيق ما هو أبعد من الأرقام السنوية، أي بناء قطاع أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية، وأكثر اندماجًا في سلاسل القيمة المحلية والدولية. ففي النهاية، لا تقاس قيمة الاستثمار بحجم الأموال التي تضخ في القطاع فحسب، وإنما بما يحققه من أمن غذائي، وفرص عمل، وتنمية جهوية، وزيادة في الصادرات، وتحسين لمداخيل الفلاحين. وعندما تتحول هذه المؤشرات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، يمكن عندها الحديث عن استثمار يؤدي بالفعل دوره كقاطرة للتنمية الاقتصادية، لا مجرد رقم جديد يضاف إلى التقارير السنوية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115