الفائز بجائزة الكومار الذهبي نصر بالحاج بالطيب لـ"المغرب": الصحراء أهدتني الحرية... والكتابة ترميم لخراب الإنسان

بين امتداد الصحراء اللامتناهي وأفقها الشاسع وضجيج المدن

وضيق شوارعها، وبين دقة مشرط الجرّاح وفوضى قلم الروائي، نسج نصر بالحاج بالطيّب مساره الإبداعي بخطى واثقة وصوت هادئ، حتى أصبح واحدا من أبرز الروائيين الذين منحوا الصحراء حياة أخرى على صفحات الأدب، وجعلوا من رمالها فضاء رحبا للأسئلة الكبرى التي تؤرق الإنسان في بحثه الدائم عن ذاته ومعنى وجوده.
فثمة كتّاب يكتبون عن الأمكنة، وثمة كتّاب تجعلهم الأمكنة يكتبون أنفسهم. ومنذ أعماله الأولى، بدا نصر بالحاج بالطيّب واحدا من هؤلاء الذين اصطفتهم الصحراء ليكونوا شهودا على أسرارها ورواة لأسئلتها القديمة. ففي ثلاثيته الروائية «تمبايين» و«بير عوين» و«سيف الصوان»، لا تبدو الصحراء مجرد خلفية للأحداث، بل تتحول إلى كائن حيّ ينبض بالحكمة والغموض، ويقود شخصياته في رحلة شاقة نحو الحرية والمعرفة واكتشاف الذات.
ومع تتويجه مؤخرا بجائزة الكومار الذهبي عن روايته «سيف الصوان» الصادرة عن دار خريف للنشر، عاد اسمه ليتصدر المشهد الأدبي بقوة، مؤكدا مكانته كصوت روائي يراهن على الإنسان في ضعفه وقوته، في قلقه وأحلامه، وفي أسئلته التي لا تنتهي. فهو الطبيب الجرّاح الذي خبر هشاشة الجسد، والروائي الذي انشغل بهشاشة الروح، فالتقت في تجربته مهنتان تبدوان متباعدتين، لكنهما تنبعان من شغف واحد ألا وهو محاولة تطبيب الإنسان.
* بعد فوزك بجائزة الكومار الذهبي... هل أنصفت "سيف الصوان" مسيرتك وتجربتك الأدبية؟
في الحقيقة، ليست هذه الجائزة الأولى في مسيرتي الأدبية. فقد نلت سابقا جائزة لجنة تحكيم الكومار سنة 2012 عن رواية "انكسار الظل"، كما فازت مجموعتي القصصية "زعفران" بجائزة أبي القاسم الشابي التي يمنحها البنك التونسي سنة 2004. ومع ذلك، يبقى تتويج رواية "سيف الصوان" بجائزة الكومار الذهبي من أجمل أشكال الإنصاف التي يمكن أن يحظى بها روائي تونسي، لأنه يمثل اعترافا بقيمة التجربة ومسارا طويلا من الاجتهاد والكتابة.
*هل تمنح الجائزة الكاتب طمأنينة أم مسؤولية أكبر؟ وهل تنصف الجوائز الأدب فعلا؟
تحضرني هنا مقولة جان بول سارتر"الشرف يكمن في أن تُقرأ" وأعتقد أن الوظيفة الأساسية للأدب هي أن يُقرأ، وأن يجد طريقه إلى الناس.
للجوائز الأدبية دور أساسي من جهتين، فهي أولا تساهم في التعريف بالكاتب لدى القراء والنقاد والمهتمين بالشأن الثقافي، وثانيا تمثل اعترافا من لجنة مختصة ومحكّمة بقيمة العمل الأدبي وتميز أسلوبه، وهو ما يمنح النص شرعية إضافية في المشهد الثقافي.
لذلك يمكن القول إنّ الجائزة تمنح الكاتب شيئا من الطمأنينة، لكنها في الوقت نفسه تضاعف حجم المسؤولية. فعندما يكتب عملا نال استحسان القراء أو تقدير لجنة تحكيم، يصبح مطالبا بالحفاظ على ذلك المستوى، بل والسعي إلى تجاوزه في أعماله المقبلة.
*يقول محمود المسعدي: «الأدب مأساة أو لا يكون». هل يحتاج الأدب والفن عموما إلى الألم حتى يكون أكثر صدقا وعمقا؟
نعم، الألم أحد أهم دوافع الكتابة، وهذه حقيقة لا أجادل فيها. وقد كتبت في مجموعتي القصصية "زعفران" أنّ الكتابة كانت بالنسبة إليّ أمّا ثانية بعد فقدان والدتي. فالذكرى وطن، والكتابة أجمل الديار.
الوجع يولّد الكتابة بلا شك، لكن الحياة لا تختزل في الألم وحده. فالإنسان، منذ طفولته وحتى شيخوخته، يظل منشغلا بأسئلة الوجود والذات والمعنى. وأرى أنّ مهمة الكاتب ليست تقديم الأجوبة الجاهزة، بل إثارة الأسئلة، كمن يلقي حجرا في بركة راكدة فيحرك مياهها.
في ثلاثية الصحراء التي توزعت في رواياتي "تمبايين" ثم "بير عوين" وأخيرا "سيف الصوان" كانت الرحلة بحثا عن الوطن، وعن القيم، وعن الجمال، وعن الإنسان نفسه. كانت محاولة للعودة إلى النقاء الأول، لأن الصحراء بطبيعتها وبرمالها المتحركة تمحو الآثار والخطى، وتعيد الأشياء إلى بداياتها. لذلك أعتبر أن هذه الثلاثية هي، في جوهرها، بحث عن التجدد الإنساني.
*ما الذي تمنحه الصحراء للغة والأدب والحياة... ولا تمنحه المدن؟
الصحراء تمنح الحرية. حين يكون الإنسان في الصحراء يشعر باتساع الذات وتضخمها. هناك الفراغ، والصمت، وبعد المسافات... وكلها عناصر تدفع الإنسان إلى التأمل العميق.
ولا يمكن للمرء أن يروّض الصحراء إلا بالحكاية أو الشعر أو السرد أو بالروحانية التي نجدها في النصوص الكبرى. إنها تمنح اللغة فضاءات بلا حدود، وتمنح الخيال طاقة على إعادة تركيب العالم من جديد.
أما المدينة فهي نقيض ذلك، ففي مقابل صمت الصحراء هناك ضجيج المدينة، وفي مقابل اتساع الأفق تضيق المسافات.وبين الزحام والسرعة يصعب على الإنسان أن يعثر على ذاته. أما في الصحراء فالوحدة تتحوّل إلى فرصة للتأمل والإلهام والإبداع.
*لماذا تبدو الرحلة في الأدب الصحراوي، وفي رواياتك خصوصا، وكأنها رحلة إلى أعماق النفس؟ وما العلاقة بين التيه في الصحراء والتيه الوجودي للإنسان؟
أعتقد أنهما وجهان لحقيقة واحدة. ففي ثلاثية الصحراء كان البحث الظاهري عن أشياء ملموسة على غرار الماء والجمل، لكنه في العمق كان بحثا عن المعنى. فالرموز في الرواية تتجاوز ظاهرها لتفتح أبوابا على أسئلة الوجود.
وقد كتبت الأستاذة جليلة طريطر قراءة جميلة لرواية "تمباوين" تناولت فيها مفهوم التيه الصحراوي بوصفه تيها مفعما بالدلالة والمعنى، وهو تأويل أجد نفسي قريبا منه.
*في رواياتك تبدو الصحراء شخصية كاملة وليست مجرد خلفية للأحداث. متى شعرت أنها تتحدث إليك كروح ... ككائن حي؟
الصحراء بالنسبة إليّ ليست مجرد فضاء جغرافي، بل وعاء للأسئلة الكبرى التي ما زال الإنسان يبحث عن إجابات لها. إنها خلفية للأحداث، لكنها أيضا حضور رمزي يرافق الشخصيات ويكشف أعماقها.
*يُعد الروائي الليبي إبراهيم الكوني من أبرز من كتبوا عن الصحراء، كما أنّ المخرج التونسي ناصر خمير قدّم لها واحدة من أجمل الصور السينمائية... هل تجد هل تجد بينهما وبين صحرائك تقاطعا ما ؟
بكل صراحة، لم أقرأ لإبراهيم الكوني بعد، رغم أن كثيرا من النقاد يستحضرون أعماله عند الحديث عن تجربتي في أدب الصحراء. وأعتقد أنّ لكل كاتب صحراءه الخاصة ورؤيته المختلفة في توظيف هذا الفضاء الذي يتسع مع كل تجربة ولا يضيق أبدا.
أما ناصر خمير، وللأسف، فلم تتح لي فرصة مشاهدة أفلامه، رغم ما أسمعه عنها من إشادات.
*هل على مكتبك مسودة لمشروع أدبي قادم؟
مشروعي الجديد يتمثل في مجموعة قصصية جديدة تختلف تماما عن ثلاثية الصحراء، خاصة من حيث الفضاء المكاني والأجواء العامة للأحداث.
*هل تحلم بأن تتحوّل إحدى رواياتك إلى فيلم أو مسلسل؟
بالتأكيد، فهي أمنية قديمة. أنا من جيل نشأ على حب السينما ومتابعة المسرح، وأرى أن أعمالي الأدبية، وخاصة ثلاثية الصحراء بما تحمله من أبعاد نفسية ووجودية، تمتلك مقومات التحول إلى أعمال سينمائية جادة.
أعتقد أن ما تتضمنه من مشاعر إنسانية عميقة، كالعطش والقلق والخوف والأسئلة المصيرية، يجعلها مادة ثرية للشاشة الكبيرة. ولذلك تبقى يدي ممدودة لكل المخرجين والمنتجين الراغبين في الاقتباس من الأدب للسينما.
أمام المرآة
*لو تصف تجربتك الأدبية في جملة واحدة، ماذا تقول؟
أترك هذا الوصف للقراء والنقاد، أما أنا فأراها رحلة وجودية بين الحياة والموت.
*لو طلبت منك الصحراء أن تختصر حكمتها في كلمة واحدة؟
الهيبة الصامتة... والصبر الطويل... والحرية.
ما السؤال الذي كنت تتمنى أن يُطرح عليك ولم يحدث؟
ما العلاقة بين الجراحة والكتابة؟
*الكتابة عندك نجاة أم اعتراف؟
الكتابة ترميم لخراب الإنسان. إنها جراحة لروح عليلة.
*عندما تنتهي من كتابة رواية، هل تشعر بالخفة أم بالفراغ؟
أشعر براحة كبيرة، وكأنني أزيح عن كتفي حملا ثقيلا. فالكتابة عمل شاق ومرهق، رغم ما تمنحه من متعة ولذة فوق الوصف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115