تأتي التهديدات الصهيونية المتجددة بقصف بيروت، وما يرافقها من غارات على الضاحية الجنوبية، لتعكس محاولة صهيونية ممنهجة لنسف مسار التسوية بين ايران وواشنطن .
تدرك حكومة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو أن أي استقرار إقليمي ناتج عن اتفاق واشنطن-طهران الممتد منذ أفريل 2026 يعني عمليا انحسار نفوذ "مشروع إدامة الصراع" الذي يقتات عليه مستقبل نتنياهو السياسي. لقد اختار نتنياهو التصعيد في الساحة اللبنانية لفرض واقع جديد: "إما التصعيد الشامل أو لا هدنة على الإطلاق" .
لقد جاء التصريح الإيراني على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي كرسالة تحذير حاسمة، إذ إن اعتبار أي خرق في لبنان بمثابة خرق شامل لكل الجبهات، يحول التهديدات الإسرائيلية إلى مغامرة وجودية تطيح بكل التفاهمات الدولية القائمة.
وعلى الرغم من نجاح الجهود الدبلوماسية (بوساطة باكستانية وأوروبية) في منع اندلاع حرب شاملة في الربيع الماضي، إلا أن الهدنة الحالية تواجه مخاطر حقيقية أهمها استباق الضغوط الأمريكية . اذ يسعى نتنياهو إلى تصعيد وتيرة القتل في لبنان لاستباق أي ضغوط قد يمارسها الرئيس ترامب لفرض الالتزام الكامل ببنود الاتفاق، محاولا حصر واشنطن في زاوية "الدعم المطلق" أو "الفشل الدبلوماسي".
وفي خضم ذلك ، يعيش العالم حالة من الترقب لجولة المفاوضات القادمة في واشنطن. كما ان الفشل في كبح جماح الجنون الإسرائيلي في بيروت لا يهدد لبنان فحسب، بل ينسف الالتزام الأمريكي، ويضع مضيق هرمز -الذي يمثل العصب المالي للاقتصاد العالمي -مرة جديدة في قلب المواجهة.
إن العالم اليوم، الذي يتنفس الصعداء جزئيا مع ارتفاع مؤشرات الأسهم العالمية ، يقف أمام معضلة ترك الشرق الأوسط رهينة للنزوات السياسية لمجرم الحرب نتنياهو وكذلك رهينة لمشروع صهيوني يقتات على رواية إسرائيل الكبرى لتوسيع الاحتلال على حساب سيادة دول المنطقة.
يرى نتنياهو في الساحة اللبنانية ورقة مثالية يمكن استخدامها لتعطيل المسار التفاوضي المتعثر بين واشنطن وطهران. ففي اللحظة التي تلوح فيها بوادر لتهدئة تدريجية أو اتفاق يضمن استقرار المنطقة، يعمد نتنياهو إلى تصعيد وتيرة القتل والدمار، ضاربا بعرض الحائط كافة التفاهمات الضمنية التي كانت تحيد لبنان وعاصمته بالأساس. إن الهدف من هذا العدوان واضح: وهو تعطيل المحرك الدبلوماسي، وقطع الطريق على أي محاولة لربط الجبهات بمسار تسوية شامل، لإدراك نتنياهو أن الهدنة يعني نهاية مشروعه القائم على "إدارة الصراع" عبر الدم.
إن الانقلاب الميداني الذي يقوده نتنياهو، بدءا من التوغل في القرى الجنوبية وصولا إلى محاولات تغيير قواعد الاشتباك في العاصمة، يعكس سياسة الأرض المحروقة التي تهدف إلى وضع المجتمع الدولي أمام أمر واقع: "إما الفوضى أو لا شيء". فهذا المجرم يسعى بوضوح إلى إفشال اتفاق الهدنة المقترح، لأنه يعلم أن أي استقرار إقليمي سيؤدي حتماً إلى محاسبة حكومته على فشلها الذريع في تحقيق أي من أهدافها المعلنة، سواء في غزة أو في لبنان.
المجتمع الدولي، اليوم أمام مسؤولية تاريخية. فالاستمرار في "الغطاء الدبلوماسي" لسياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها نتنياهو لن يؤدي إلا إلى إشعال حرائق يدفع ثمنها الشعب اللبناني من دمائه وأرواحه وسيادة أراضيه . كما تهدد حروب نتنياهو وترامب استقرار الاقتصاد العالمي وأمن الممرات الدولية.
علاوة على ذلك ، فان ما جرى في قلعة الشقيف الجنوبية هو تجسيد حي لمنهجية الخديعة التي يمارسها نتنياهو، حيث يتم الترويج لانتصارات صورية تهدف إلى تخدير الرأي العام المأزوم في كيان الاحتلال فقد كشفت المقاومة اللبنانية في بيان لها سر الخديعة وان قلعة الشقيف لا تزال صامدة ولم تحتل . وبينما يغرق جيش العدو في مستنقع الاستنزاف تحت وقع نيران المقاومة، يبقى العالم شاهدا على أن التضليل الإعلامي لن يغير من حقائق الميدان، ولن يمنح نتنياهو مخرجا من مأزقه التاريخي. فالكلمة الفصل باتت لصلابة الميدان وإرادة الصمود لدى المقاومين الأشاوس في تراب الجنوب المقدس الذي يحرره رجاله وأبناؤه في كل مرة تدوسه أقدام الاحتلال .
الأزمة بالأرقام
الهدنة السارية بين واشنطن وطهران بدأت في 17 أفريل 2026 ومن المقرر أن تنتهي في مطلع جويلية 2026 .
ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 3% مع استمرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران
بين ضغوط ترامب ومناورات الاحتلال كيف ينسف "نتنياهو" مسارات الهدنة عبر بوابة لبنان؟
- بقلم روعة قاسم
- 15:17 02/06/2026
- 34 عدد المشاهدات
في مشهد إقليمي يترنح على وقع تحولات استراتيجية كبرى