أيام قرطاج لفنون العرائس في دورتها السابعة: احتفاء بنصف قرن من الذاكرة...والإبداع المتواصل !

في العتمة، قبل أن يُفتح الستار، يحدث شيء لا يُرى

خشب ساكن، قماش بلا ملامح، خيوطٌ متدلية… ثم فجأة تظهر يد ونفس ونبضة خفيّة فتولد حياة. ذلك هو السرّ القديم لفن العرائس: أن يخلق الحياة حيث لا حياة، وأن يضع الروح في جسد من صمت. في هذا السياق تحتفل أيام قرطاج لفنون العرائس في دورتها السابعة بمرور خمسين عاما على تأسيس المركز الوطني لفن العرائس، وتحتفل بخمسين عاما من العمل في الظلّ، حرفيا ومجازيا، حيث كانت العرائس تتحرك فوق الخشبة، بينما كانت الأسئلة الكبرى تتحرك في العمق.

تحت شعار "ماريونات: فن وحياة" احتضنت مدينة الثقافة الشاذلي القليبي أمس الاثنين 26 جانفي 2026 الندوة الصحفية الخاصّة بالدورة السابعة لأيام قرطاج لفنون العرائس تحت إدارة عماد المديوني، والتي تحمل اسم عبد العزيز الميموني.
خمسون عاما من الإنتاج والإبداع ... والذاكرة الحيّة
في أجواء استثنائية واحتفالية، تأتي الدورة السابعة من أيام قرطاج لفنون العرائس لتحتفل بخمسين سنة من عمر المركز الوطني لفن العرائس. خمسون عاما كانت فيها العروسة شاهدا على تحولات البلاد، وعلى تبدّل الوجوه، وبقاء الحلم. وفي كلمته، لم يتحدث مدير المركز عماد المديوني عن مؤسسة إدارية، بل عن كائن حي عمرة نصف قرن، كائن ظلّ "نابضا بالحياة" رغم تغيّر الأزمنة. ولم يكن المركز الوطني لفن العرائس لم يكن مجرد فضاء للعروض، بل كان مختبرا للأحلام، وورشة دائمة للسؤال:كيف يمكن لدمية أن تحمل قلق الإنسان وقضاياه؟ كيف يمكن لقطعة قماش أن تترجم الإحساس والأحلام ؟
وبمناسبة الخمسينية، أعدت أيام قرطاج لفنون العرائس معرضا توثيقيا وفيلما وثائقيا في تأكيد على أنّ العرائس في تونس لم تكن زينة مسرحية، بل كانت مرآة اجتماعية، وأحيانا ضميرا ساخرا، وأحيانا صرخة طفل خائف في وجه عالم صاخب.
قد لا يعيش فن العرائس بالنجومية، بل بالتفاني وبالصدق بفضل الأيدي التي تشتغل خلف الستار في إيمان عميق بأنّ دمية صغيرة يمكن أن تترك أثرا كبيرا.
وقد اختارت أيام قرطاج لفنون العرائس في دورتها السابعة تكريم حبيبة الجندوبي ومنية عبيد المسعدي وقاسم إسماعيل الشرميطي في اعتراف بأنّ فن العرائس يتطور ويستمر بفضل أسماء آمنت بأنّ الدمية يمكن أن تغيّر نظرة طفل إلى العالم، وأن تستفز السؤال والخيال لدى الكبار .
انفتاح على الجهات ... وندوات فكرية دولية
من إلى 8 فيفري 2026، تتحوّل مدينة الثقافة الشاذلي القليبي إلى فضاء تمشي فيه العرائس جنبا إلى جنب مع الجمهور. ولا تكتفي أيام قرطاج لفنون العرائس في دورتها السابعة بجغرافيا العاصمة. ففنّ العرائس، الذي وُلد من رحم الحكاية الشعبية، يزور الجمهور في الجهات وبقية الولايات على غرار أريانة وجندوبة وباجة والمهدية والمنستير... كما تؤكد العروض الموجّهة لجمعية قرى الأطفال "إس أو إس" بڨمرت أن هذه الزيارة ليست "فقرة تضامنية" بل تذكير بأن الفن حين يكون صادقا، يصل دائما إلى من يحتاج الخيال أكثر.
لا تكتفي أيام قرطاج لفنون العرائس بالعروض والتي تتجاوز 38 عرضا من 16 دولة بل تنسج حولها فضاء للتكوين والتفكير من خلال تنظيم الإقامات والورشات الفنية المختصة والماستركلاس، منها ورشة الأقنعة وتحريك العرائس وعرائس روح النخلة والتكلم البطني وتقنيات مسرح الإضاءة السوداء و"امنح قناعك الحياة"ّ...
ومن مستجدات الدورة السابعة لأيام قرطاج لفنون العرائس، تنظيم ندوات فكرية الدولية تطرح أسئلة تتجاوز الخشبة لتبحث مسائل راهنة وتطرح أسئلة معاصرة: هل يمكن لفن العرائس أن يكون جزءا من الاقتصاد الإبداعي؟وأين يقف المركز" وأين يبدأ "الهامش" في هذا الفن؟ وتأتي الندوة الأولى تحت عنوان "فن العرائس بين التراث اللامادي والاقتصاد الإبداعي"، أما الندوة الثانية فتحمل عنوان: "المركز والهامش في فن العرائس: هل يمكن للعرائس أن تعيد رسم الخارطة الثقافية؟ " وتساؤلات حول دور العرائس في إعادة رسم الخارطة الثقافية.
مؤطر 1
معلّقة أيام قرطاج لفنون العرائس:
لا تُرى بالعين فقط… بل تُحَسّ بالقلب !

تتوسط معلقة أيام قرطاج لفنون العرائس الشخصية العرائسية لتكون قلب التكوين. فهي ليست دمية جامدة، بل كائن بين عالمين.جسدها ممدود بخفة، كأنها تلامس الهواء أكثر مما تلامس الأرض. الحركة منحنية، راقصة، فيها شيء من الطائر وشيء من الإنسان. الخيوط التي تمتد حولها لا تبدو قيودا، بل مسارات قدر، أو خطوط موسيقى غير مرئية. العروسة هنا لا تُقاد فقط… بل تقود النظر، تقود الإيقاع، تقود الإحساس.لباسها مرسوم بزخارف دقيقة تستدعي روح الفن الشعبي والرموز التقليدية، لكن بأسلوب حديث ومجرّد. يبدو البياض أو الفراغ صمتا مقصودا بل هو المسرح قبل أن تُضاء الأنوار. هو المسافة التي تسمح للعين أن تتأمل، وللخيال أن يُكمل المشهد. في النهاية، تقول المعلقة التي صممّها محمد الوسلاتي بأنّ الإنسان مثل العروسة، تحرّكه خيوط كثيرة منها الذاكرة والحكاية والفن والطفولة التي تأبى أن تكبر !
مؤطر2 :
المهرجان في أرقام
- مشاركة 16 دولة
- مشاركة أكثر من 100 عرائسي من تونس والعالم
- 17 فرقة دولية وعربية
- أكثر من 38 عرضا
- 21 عرضا أجنبيا وعربيا
- 12 عرضا تونسيا
- 3 عروض قسم الهواة
- 30 عرضا للطفل والعائلة
- 6 عروض للكهول
- 3 عروض موسيقية
- 15 ورشة في صنع وتحريك العرائس
- 5 ولايات ...أيام قرطاج لفنون العرائس في الجهات
- 5 ماستر كلاس
- 2 ندوات فكرية وعلمية
- معرض عرائسي وتجاري.

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115