من التسجيل في اليونسكو إلى الانزلاقات الأرضية: سيدي بوسعيد بين الاعتراف العالمي وخطر الانهيار!

ليست سيدي بوسعيد مجرّد مدينة جميلة مطلّة على البحر

بل هي حالة روحية تسكن الذاكرة قبل أن تسكن الحجر. على هضبتها الصخرية، بين الأبيض الذي يعانق الضوء والأزرق الذي يستعير صفاء المتوسط، صاغت القرية عبر قرون مشهدا ثقافيا نادرا، جعلها أيقونة متوسطية وملهمة للفنانين والمتصوّفة والعابرين. واليوم، تقف سيدي بوسعيد عند مفترق طرق حاسم: فمن جهة، تسير بخطى واثقة نحو التسجيل على قائمة التراث العالمي لليونسكو، في اعتراف دولي بقيمتها التاريخية والمعمارية والروحية.ومن جهة أخرى، تهتزّ أرضها تحت وطأة الأمطار وتهديد الانزلاقات الأرضية ...

تسببّت سيول الأمطار القوية في الأيام الأخيرة في حدوث انزلاقات أرضية بمدينة سيدي بوسعيد خاصة بالجهة الشرقية للهضبة. وهو ما يضع جمال هذه المدينة على حافة الخطر.
موقع مُرشَّح للخلود في خطر !
منذ أكثر من قرن، شكّلت سيدي بوسعيد إحدى أكثر الصور رسوخا في المخيال الثقافي التونسي والمتوسطي: قرية بيضاء، نوافذها زرقاء، تطلّ من علياء هضبتها على بحر لا يهدأ. غير أنّ هذه الصورة الآسرة تخفي اليوم قلقا عميقا. ففي الوقت الذي تخوض فيه تونس مسار تسجيل القرية على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تواجه هضبة سيدي بوسعيد خطراً حقيقياً يتمثّل في الانزلاقات الأرضية التي تهدّد استقرار المكان وسلامة ساكنيه. هنا تتجلّى مفارقة قاسية: كيف يمكن لموقع يُرشَّح للخلود أن يكون مهدّداً بالانهيار؟
لا تختزل قيمة سيدي بوسعيد في جمالها البصري وحده. فهي مشهد ثقافي متكامل، تتداخل فيه العمارة ذات الجذور الأندلسية والإسلامية مع البعد الروحي الصوفي المرتبط بالشيخ سيدي بوسعيد الباجي، ومع علاقة خاصة بالطبيعة والبحر والضوء.
هذا التفرّد هو ما دفع إلى تقديم ملف ترشيحها لدى اليونسكو تحت عنوان:«قرية سيدي بوسعيد: مركز الإلهام الثقافي والروحي في البحر الأبيض المتوسط».وهو عنوان يحمل اعترافاً ضمنياً بأن القرية ليست مجرّد مبانٍ جميلة، بل فضاء حيّ تتفاعل فيه الذاكرة والإنسان والمكان.
وقد عملت وزارة الشؤون الثقافية، بالتنسيق مع الجهات التونسيّة المعنية وبدعم من صندوق التراث العالمي الإفريقي، يسّرته وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، على إعداد ملف ترشيح قرية سيدي بوسعيد طبقا للإجراءات والمبادئ التوجيهية المحدّدة دوليا.
وكانت المندوبية الدائمة للجمهورية التونسية لدى اليونسكو قد أعلنت أنّ " مسار التقييم الفني لملف "قرية سيدي بوسعيد: مركز الإلهام الثقافي والروحي في البحر الأبيض المتوسط" سينطلق قريبا من قبل مركز التراث العالمي والهيئات الاستشارية التي حدّدتها اتفاقية 1972، على أن يتمّ عرضه على أنظار لجنة التراث العالمي سنة 2026، وهي اللّجنة المخوّلة دوليا لإدراج المعالم والممتلكات والمشاهد الثقافية والطبيعية على لائحة التراث العالمي."
ومن المنتظر أن تستغرق دراسة ملف "قرية سيدي بوسعيد: مركز الإلهام الثقافي والروحي في البحر الأبيض المتوسط" بمقر اليونسكو في باريس مدة 18 شهرا من التقييم للجوانب المعمارية والفنية والاجتماعية والثقافية. ومن المتوقع الإعلان عن النتائج النهائية في النصف الثاني من سنة 2026.
الهضبة الهشّة: هل من مشروع إنقاذ؟

منذ أشهر قليلة، كانت وزارة الشؤون الثقافية قد أوصت في اجتماعها مع بقية الوزارات منذ أشهر بضرورة الإسراع في وضع مشروع تفادي المخاطر المحدقة بهضبة سيدي بوسعيد ومحيطها المباشر وذلك بتضافر الجهود بين مختلف الأطراف المتدخلة لإنهاء الجانب النظري والدراسي من مشروع الإنقاذ، والاتّفاق حول خطّة عمل مشتركة.
في المقابل، كشفت التقلبات المناخية الأخيرة هشاشة التربة التي تقوم عليها الهضبة، خصوصاً بالجهة الشرقية، حيث شكّل تشبّع الأرض بالمياه والتآكل البحري والضغط العمراني عوامل أساسية جعلت الانزلاقات الأرضية احتمالا قائما لا مجرّد فرضية علمية.

وقد دفعت هذه المخاطر السلطات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية: إخلاء مؤقت لبعض المساكن وغلق طرقات ومنع مرور العربات الثقيلة. هذه الإجراءات تعكس حجم القلق، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالا جوهريا: لماذا نتحرّك دائماً بعد أن يدقّ الخطر أبوابنا؟
ترشيح اليونسكو: الاعتراف لا يكفي !

يمثل التسجيل في قائمة التراث العالمي التزاما دوليا بالحماية والصيانة والإدارة المستدامة. واليوم، تبدو سيدي بوسعيد مطالَبة بإثبات قدرتها على حماية ذاتها قبل أن تطلب حماية العالم.فالانزلاق الذي يهدّد الهضبة لا يهدّد مباني فقط، بل يهدّد جوهر «المشهد الثقافي» الذي يقوم على توازن دقيق بين الإنسان والطبيعة. وإذا اختلّ هذا التوازن، فإن قيمة الترشيح نفسها تصبح موضع تساؤل.
يمتدّ تقييم ملف اليونسكو على نحو 18 شهرا، تُدرس خلاله الجوانب المعمارية والثقافية والاجتماعية. لكن الطبيعة لا تنتظر لجاناً ولا تقارير. من هنا، يصبح إنقاذ سيدي بوسعيد شرطا مسبقا لإنجاح مسار تسجيلها.
اليوم تقف سيدي بوسعيد اليوم بين احتمالين:إمّا أن تتحوّل إلى مثال حيّ عن كيفية حماية التراث في زمن التغيّرات المناخية، أو أن تصبح رمزا مؤلما لمواقع جميلة نحتفي بها ونتركها تتآكل وتواجه خطر الانهيار !

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115