تتأكد وتزداد الحاجة للمسرح باعتباره خشبة للتفكير الجماعي ومختبرا للأسئلة العميقة حول الإنسان والهوية والذاكرة... في هذا السياق تكتسب مشاركة المسرح التونسي في الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي بالقاهرة دلالة تتجاوز فكرة "الحضور" إلى المساهمة في صياغة أسئلة المسرح العربي: ماذا نكتب؟ كيف نمثل؟ كيف نخاطب الإنسان في زمن الارتباك؟
تتمثل المشاركة التونسية في مهرجان المسرح العربي بالقاهرة من 10 إلى 16 جانفي، في حضور ثقافي متكامل يزاوج بين الإبداع الفني والمساهمة الفكرية والنقدية في صياغة ملامح المسرح العربي المعاصر
الهاربات و"جاكراندا و"كيما اليوم" في المسابقة الرسمية
نظرت لجنة المشاهدة في مهرجان المسرح العربي في 150 عرضا، منها 116 عرضا ترشح لجائزة سلطان بن محمد القاسمي، وهي الجائزة الأكثر حضورا وتأثيرا في المشهد المسرحي العربي المعاصر. وتكوّنت اللجنة من خمسة أسماء عربية تنتمي إلى مدارس وتجارب مختلفة، من بينها المخرج المسرحي التونسي وليد دغسني، إلى جانب كل من :يوسف عايدابي، وإيهاب زاهدة، وزيد خليل مصطفى، وعلاء قوقة.
وقد تم اختيار 15 عرضا للمشاركة في المسابقة الرسمية : وهي "ويندوز 5" من المغرب و"الساعة التاسعة" من قطر و"المفتاح" من الجزائر و"بابا" من الإمارات و"بيكنك ع خطوط التماس" من لبنان، و" طلاق مقدس" من العراق" و"فريجيدير" من الأردن، و"كارمن" من مصر، و" مأتم السيد الوالد" من العراق"، و"مرسل إلى من مصر"، و "من زاوية أخرى" من الكويت و" مواطن اقتصادي"من المغرب. أما فيما يخص "المسار الثاني" ضمن الدورة فقد ترشح 34 عملا اختارت منه اللجنة العمل التالي :"الجريمة والعقاب" من مصر.
ومن تونس تحضر ثلاث مسرحيات غمار المنافسة في المسابقة الرسمية، حيث أعلن المسرح الوطني التونسي عن ترشيح ثلاث مسرحيات دفعة واحدة للمسابقة الرسمية، وهي "الهاربات" لوفاء الطبوبي ، و"جاكرندا" لعبد الحليم المسعودي، و"كيما اليوم" لليلى طوبال. و في اختتام أيام قرطاج المسرحية مؤخرا، كانت مسرحية الهاربات قد فازت بالتانيت الذهبي فيما توجت مسرحية جاكرندا بالتانيت البرونزي.
تونس حاضرة من الركح إلى الفكر
لا يقتصر الحضور التونسي على العروض فقط، بل يمتد إلى الفضاء الفكري عبر الندوة العلمية المعنونة بـ "من أجل مسرح عربي جديد ومتجدّد" التي تُقام يومي 11 و12 جانفي، وتضم ست جلسات بحثية.
يشارك في هذه الندوة الناقد الجامعي محمد المديوني ضمن لجنة تحكيم الأوراق البحثية، فيما تقدّم الباحثة كريمة بن سعد مداخلة بعنوان «التأسيس المنهجي في النقد المسرحي العربي: من التنظير إلى التطبيق»، وهي ورقة تفتح نقاشا ضروريا حول أزمة المنهج في النقد العربي وعلاقته بالممارسة المسرحية. كما يشارك المسرحي عبد الحليم المسعودي في الجلسة الخامسة، بما يعزّز الحوار بين الممارسة والتنظير، بين الركح والجامعة.
وتكشف هذه المشاركة التونسية المكثفة عن تحوّل نوعي في موقع المسرح التونسي داخل الخارطة الثقافية العربية. لم يعد مجرّد مسرح "محلي ناجح"، بل أصبح مختبرا جماليا يُقترح بوصفه نموذجًا في التجديد، والانفتاح، والاشتغال الجاد على الأسئلة المعاصرة.
سامح مهران يكتب رسالة اليوم العربي للمسرح
ينطلق مهرجان المسرح العربي كعادته في كل عام يوم 10 جانفي الذي يصادف اليوم العربي للمسرح. وسيشهد في هذا اليوم من عام 2026 تلاوة البروفيسور سامح مهران لرسالة اليوم العربي للمسرح. وقد جاء في هذه الرسالة : "نحن نعيش في ظروف بالغة التعقيد في عالمنا المعاصر، فقد تم انتزاع الإنسان من محيطه الاجتماعي، وأصبح مستوحدًا أمام تقنيات الاتصال الحديثة، وما تفرضه من عوالم افتراضيه تؤكد هذا الاستلاب الجماعي، وتفرض أسوارًا عازلة تمنعه من التفاعل الإيجابي من أجل التغيير. كذلك هناك ثورة بيوتكنولوجية في علم الوراثة، والهندسة الجينية، والأدوية العصبية، قد تفضي إلى تجاوز للطبيعة الإنسانية نفسها، وهو ما يهدد المساواة الإنسانية، فالمخاطر لا تكمن في الدمار، بل في التحول التدريجي للإنسان إلى شي آخر فوق بشريPost Human."
وفي ختام رسالته يقول سامح مهران: "إنّ القوة الأخلاقية للمسرح تكمن بالأساس في العلاقة التي تنشأ بين ما يفعله العمل المسرحي بنا، وما نفعله به. فالتساؤل المستمر عن أنماط حياتنا وطرق تفكيرنا، لا يستهدف فقط ازدهار الفرد، بل يستهدف الاهتمام بالآخرين، بالمدينة، وقضايا المناخ والتلوث البيئي، الأمر الذي يؤدي إلى تحسين الذات والحياة معًا. فما نصبح عليه يؤثر في علاقتنا مع الآخرين ومجتمعاتنا، وبيئتنا، وأنماط حياتنا المشتركة، فمن الأنا يتشكل مجتمع النحن، القابل دائمًا لإعادة التعريف".