افتتاح فضاء "ارسطوفانيس" في وادي الزرقاء يوم بلا مسرح هو يوم ساقط من حياة الحالمين

لك ان تحلم وتدافع عن أحلامك بكل السبل الممكنة، من حقك الحلم والذهاب بعيدا الى ثنايا الحب والجمال

رغم كل المعيقات والصعوبات فالاحلام وان صعبت يمكن تحقيقها والوصول اليها طالما ارادة الحياة متوفرة، لك ان تكتب اجمل الامال وترميها الى بحر الحياة ثم تستعيدها اكثر بهاء وان طالت مدة الحرب فالحب ينتصر اخيرا.

وبعد صراعات كثيرة وخيبات اكثر انتصر خبيب العياري على "بيروقراطية" الادارة و"مماطلة" السلط الجهوية وتحول اخيرا ذاك المبنى المهجور منذ ثلاث عشرة عاما الى فضاء ثقافي، فضاء يمنح الحياة لاطفال حرمتهم الدولة طيلة عقود من حقهم في الثقافة والابداع وسمي "ارسطوفانيس" ليكون منارة للثقافة والعلم والابداع في انتظار ان تتم وزارة املاك الدولة بقية الاجراءات الادارية والقانونية.

قاوم فانت انسان، قاوم لانك فنان

قرية وادي الزرقاء التابعة اداريا لمعتمدية تستور ترحب بمحبي الحياة وتمنح لزوارها باقة من الحب ومساحة للعب والمسرح، هنا وادي الزرقاء او "قرية الفن والمسرح" كما يسميها محبيها ، هنا تكتب احلام الاطفال وتتشكل على الركح وفي ورشات فنية مختلفة ليصنعوا طفلا مواطنا، ثم فنانا، هنا قرية اجتمع اهلها على الترحيب بميلاد فضاء ثقافي جديد واصبحت كلمة "مبروك ما عملت" هي الاكثر ترددا على ألسنة سكان القرية اثناء تحيتهم لخبيب العياري ونضال الحناشي وعامر المثلوثي شركاء الفكرة والمقاومة ضد كل اشكال التعطيل الاداري.
"ارسطوفانيس" في حلة جديدة، شارلي شابلن يزين الجدار الخارجي وكانه يخبر رواد المكان وزواره ان "هنا ستمنح السعادة علنا وسيستمع الجميع ببعض امل وسط ضبابية الخارج، هنا في الداخل دفئ الفنون ومقاومة لكل انواع التهميش ودفاع حقيقي عن حق اطفال الدواخل في الثقافة فادخلوا الفضاء بحبّ".
تزينت الجدران باجمل الالوان والرسومات، سقطت طبقة الصمت عن المكان الذي غرق فيه لاعوام، افتتحت تلك الابواب الحديدية الموصدة، الاروقة الباردة لثلاثة عشرة عاما ملئها صخب الاطفال من ابناء الفضاء ورواد نواديه وبعثوا فيها حركية فنية وحياتية، فابناء النوادي هم من اشرف على عملية تهيئة الفضاء والرسم والتزويق لان الفضاء سيكون ملجئهم الاجمل وسيقضون بداخله ساعات اكثر مما يقضونه في منازلهم "اشعر بالطمانينة لوجود ابني مع خبيب ونضال، هم اكثر صرامة في التعامل معه" حسب تعبير احدى الامهات التي اصطحبت اطفالها للفضاء.
بعد اعوام من الصراع مع الادارة انتصر الفن على البروقراطية، انتصر الامل في التغيير على عقلية تحافظ على "الخرب" ولا تريدها ان تزهر فنا وحياة، فالمسار الذي عاشه خبيب العياري طيلة اعوام للحصول على رخصة استغلال المحل المتروك يمكن توصيفه بالمقاومة لاجل افتكاك الحق في الثقافة " ارسطو فانيس: مسار انطلق منذ 2017 كمسار احترافي ومنذ 2004 انطلقنا في حركة مسرحية في وادي الزرقاء انطلاقا من دار الثقافة، وصولا لتاسيس جمعية القناع المسرحي و2018اسسنا "ارسطوفانيس" بعد الحصول على قرض بنكي حتى نمارس الثقافة في المناطق الداخلية والمناطق المهمشة، تحت شعار كبير هو "لامركزية الثقافة" فعلا لا قولا، نحن نؤمن بقدرة الفن على التغيير والبناء ومنذ اعوام نمارس قيم المواطنة عبر المسرح" حسب تعبير خبيب العياري..
ويضيف محدثنا "في محل للكراء انطلقت التجربة، ثم توسعت الحركة المسرحية والممارسين للمسرح والفنون ارتفع عددهم، هناك فضاءات فارغة كانوا محلات ادارية لكن الادارات غيرت فضاءاتها، فبقيت الأماكن فضاء للفضلات والجريمة، ولفت انتباهنا محل كان المستوصف القديم بوادي الزرقاء زال الانتفاع به منذ 13عام ، حاولنا استغلاله بطريقة قانونية ليتحول الى فضاء ثقافي واتصلنا بكل السلط الجهوية والمحلية وزارة الثقافة واملاك الدولة والشؤون العقارية والصحة وليعطونا "الخربة" لنحولها لمنارة ثقافية..
من هنا انطلقت الرحلة والصراع، رحلة انعكست على وجوه الاطفال رواد ارسطوفانيس، فتلك الفرحة المرسومة على الوجوه هي عنوان للانتصار، ونظرة اعتراف صادقة بفضل المسرح على تكوين شخصيتهم، عن المسار يقول العياري "في البداية ظننا ان الفكرة بسيطة وماراعنا ان وجدنا "تنكيل اداري" ومماطلة مرهقة، فاعتصمنا واضربنا عن الجوع التجأنا الى مناصرة من المجتمع المدني الى حين تغير السلطة بعد 25جويلية، بعدها وجدنا إصغاء من السلطة الجهوية وبعد مجلس جهوي في وادي الزرقاء اقروا جميع الادارات تحت الامر الواقع ان المحل شاغر ويمكن استغلاله لمشروع ثقافي، وها أننا نفتح الفضاء المتروك للحياة ونشرّع كل ابوابه لخدمة هؤلاء الاطفال، ابناء تونس وبناتها".
ويضيف محدثنا "وجدنا حل وقتي استغلال بصفة وقتية في انتظار ان تكمل وزارة املاك الدولة بقية الوثائق والتسوية في هذا المحل، هيئناه بقيمة 12الف دينار، ونريد استغلاله فنيا، كان خرابة اصبح منارة، نريد مثلا عقد كراء طويل مدى او تفاضلي المهم ان نقدم الى الامام ولا نبقى رهائن لامضاءة مسؤول، نريد حقا ان يكون الفضاء وجهة هؤلاء الاطفال لانقاذهم من خطر الشارع والانترنت والاجرام، لاننا نصنع مواطنين واعين بحقوقهم وبالثقافة نعلمهم الحياة والمقاومة.

ارسطوفانيس سيكون مختبر لكل الفنون وسيخرج من المحلية

في وادي الزرقاء اجتمع الفنانين وصناع الجمال، في القرية الصغيرة ولد فضاء كبير باحلام ابنائه والمشرفين عليه، فالاطفال كبروا بين الورشات وتعلموا تحليل العروض وقراءة المسرحيات ومحاورة الفنانين في ارسطوفانيس، الفضاء ملجئهم لمراجعة دروسهم وتعلم المسرح ايضا "نصر على نتائجهم الدراسية، نحن نصنع مواطنا قبل الفنان، نهتم بتعليمهم والحرص على نجاحهم القيمي والدراسي ثم الفني" كما يقول نضال الحناشي المخرج والمؤطر.
"يوم بلا ضحك هو يوم ضائع" هكذا يستقبلك الفضاء فاتحا ابوابه للفن والابتسامة، فهنا شعارهم يوم بلا مسرح او امل هو يوم ضائع وليس من حق الاطفال ان يفقدوا ضحكتهم ولا احلامهم في وجود ارسطوفانيس منارة الحياة والعلم والفن.
في هذا الفضاء تشكلت احلام اطفال اصبحوا شبابا يؤمن بقدرة المسرح في بناء شخصية المواطن، اعمال مسرحية حققت العديد من الجوائز في مهرجانات مسرح الهواية فـ "بعد مجهودات وسنوات من النضال والاستمرارية في المطالب، اخيرا تمكنا من الحصول على الموافقة لتهيئة الفضاء المهجور، الذي كان وكر للانحراف ومصدر للجريمة، في البداية استغربنا حين رفض مطلبنا لتحويل الخربة الى فضاء ثقافي وها اننا اليوم نعلن الانتصار للحياة في قريتنا الحالمة" كم صرح مؤطر نادي المسرح نضال الحناشي.
يصنعون بصخبهم مشهدية، يتسابقون ايهم ينهي عمله اولا، كلّ يسال عن برنامج الغد وساعة التجمع، منذ التاسعة صباحا الى غاية العاشرة ليلا والاطفال والشباب في استنفار كلي لإنجاح العروض والمهرجان، هم شعلة من العمل ملتهبة للحب والرغبة في النجاح.
جميعهم تعلّم قيم المواطنة في "ارسطوفانيس" وكل منهم يشعر انه ابن الفضاء ومن واجبه الدفاع عن وجوده، يوسف ونذير وسلمى وايمن ودعاء ومحمد وغيرهم كثر جميعهم يسابق الزمن ليثبت مسؤوليته امام اساتذته وزوار المكان فالفضاء والنوادي صنعت نقلة كبيرة في وادي الزرقاء تحديدا في الفكر وانقذ العديد من الشباب من كوارث اجتماعية" كما يقول نضال الحناشي.
مضيفا" كوّنا اطفالا اليوم يدرسون في المعهد العالي للفن المسرحي، في هذه المساحة لا وجود لفضاءات او متنفسات للشباب باستثناء المكتبة العمومية ودار الثقافة (توقيتها اداري)، والمميز في الفضاء ومؤطريه هو العلاقة الانسانية بين مؤطر النادي والطفل او الشاب المتكون فهو يلعب دور الاخ والاب والاستاذ والسلطة الاخلاقية والدراسية، نحن نحرص جيدا على نجاح اطفالنا".
فتح فضاء ارسطوفانيس ابوابه لاطفال وشباب وادي الزرقاء، انتقل الفضاء من "قراج" صغير الحجم الى فضاء محترم من حيث المساحة يضم ثلاث غرف ستتحول الى مخابر وورشات وبعد صمتها لاعوام طوال ستبعث فيها الحياة من جديد، وعوض انين المرضى ستردد الجدران صدى صوت النجاح والفرحة بعد كل عرض او "برايف" لعمل جديد او نجاح في صناعة قناع مسرحي.
فضاء ارسطوفانيس فكرة للبناء والتجديد والتجريب، لان الثقافة وحدها يمكن ان تبني الشخصية التونسية ، شخصية التونسي المتسامح والمتفرد الذي لا يخضع لابتزاز او اجندات خارجية، شعبنا المتجذر في تاريخه وحضارته، هذه تونس التي نؤمن بها، تونس ليست ارض للارهاب بل للحياة وما صنعه الفضاء منذ 2018والتغيير الحاصل في تكوين الصغار وبذرة الفن التي زرعناها هاهي تثمر اليوم وتؤكد ان من حقنا الدفاع عن احلامنا، ومن حق اطفال وشباب واد الزرقاء ان يستمتعوا بالفنون مسرحا وموسيقى وسينما كما صرح خبيب العياري للمغرب.
يقدم الفضاء لرواده مجموعة من الورشات منها المسرح والموسيقى والفنون التشكيلية والعرائس ونادي الحوار ومنبر الحوار المجتمعي الحر ونادي السينما والصورة وسيتحول في البرنامج الى مختبر تكويني للطلبة وهواة المسرح ومحترفيه، سيكون هناك برنامج تكوين خاص مع اساتذة واكادميين، وسنحاول الانتقال الى فضاء ارحب ونستغل سد سيدي سالم لنؤسس لتظاهرات ثقافية نوعية ومخيمات تكوينية ونكبر المشروع ليصبح مركز دولي للفنون ولن نقتصر على المحلية، فأحلامنا تعانق السماء. 

 

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115