للحديث بقية الانسحاب الأمريكي من سوريا بين إعادة التموضع العسكري والتأثير السياسي

أعلنت أمس مصادر عسكرية وأمنية سورية

بان القوات الأمريكية بدأت الانسحاب من أكبر قاعدة في شمال شرق سوريا في ‌إطار انسحاب أوسع نطاقا.
ومنذ أن انتزعت قوات الحكومة السورية السيطرة على مناطق شاسعة في شمال شرق البلاد من قبضة قوات سوريا الديمقراطية الشهر الماضي، بدأت القوات ‌الأمريكية بالانسحاب التدريجي من قاعدة في الشدادي بمحافظة الحسكة، ومن قاعدة في التنف الواقعة عند تقاطع الحدود السورية مع العراق والأردن.
ولا يمكن النظر الى قرار سحب القوات الأمريكية من الأراضي السورية بوصفه إجراءً عسكريًا تقنيًا أو مجرد تقليص عددي للانتشار، بل يمثل تحوّلًا سياسيًا واستراتيجيًا يعكس مراجعة أوسع لأولويات السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط. فالوجود الأمريكي العسكري، الذي تكرّس منذ عام 2015 تحت عنوان مكافحة تنظيم داعش الارهابي، لم يكن ذا طابع أمني صرف، وإنما أداة لإدارة موازين القوى الإقليمية ومنع تشكّل فراغ جيوسياسي تستفيد منه قوى منافسة.
في هذا السياق، برزت مؤشرات ميدانية على بدء انسحاب تدريجي ومنظّم للقوات الأمريكية من شمال شرق سوريا باتجاه إقليم كردستان العراق، وفق ما أوردته تقارير اعلامية. وقد انطلقت المرحلة الأولى من قاعدة قسرك في ريف الحسكة الشمالي الغربي، التي تُعدّ أكبر مواقع الانتشار الأمريكي في المنطقة، حيث جرى تجميع القوات والمعدات المنقولة من قواعد أخرى تمهيدًا لإعادة انتشارها خارج البلاد. وشملت العملية إخلاء قواعد الشدادي جنوب الحسكة وحقل العمر في دير الزور، في حين سبق ذلك الانسحاب من قاعدة التنف الواقعة على المثلث الحدودي مع الأردن والعراق.
وقد اتسمت عملية الإخلاء بطابع تنظيمي واضح، عبر تكثيف النقلين الجوي والبري وتسليم بعض المواقع للجيش السوري، ما يشير إلى سعي واشنطن لتفادي أي فراغ أمني مفاجئ. ومع تقلّص الوجود الأمريكي إلى نقاط محدودة مثل الرميلان وقسرك ضمن مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، باتت خريطة الانتشار العسكري أكثر انكماشًا وتركيزًا، الأمر الذي يعكس انتقالًا من التمركز الواسع إلى الحضور الرمزي أو المرحلي.
ولا ينفصل هذا التطور الميداني عن تحولات سياسية داخلية أوسع، من أبرزها التفاهمات بين الحكومة السورية و"قسد" لدمج الهياكل العسكرية والإدارية وإنهاء الانقسام المؤسسي، وهو ما خفّف من الحاجة إلى دور أمريكي مباشر . كما أن تراجع فعالية الشركاء المحليين الذين اعتمدت عليهم واشنطن، إلى جانب ارتفاع كلفة الانخراط العسكري مقارنة بعوائده الاستراتيجية، دفع دوائر صنع القرار الأمريكي إلى إعادة تقييم جدوى استمرار الانتشار.
بذلك، لا يبدو الانسحاب تعبيرًا عن تخلٍ كامل عن الملف السوري، بل أقرب إلى إعادة تعريف لطبيعة الدور الأمريكي. فالولايات المتحدة تتجه نحو تقليص الانخراط الميداني المباشر لصالح أدوات التأثير غير المباشر، كالضغط الدبلوماسي والتنسيق الاستخباراتي وبناء الشراكات الإقليمية، مع الاحتفاظ بإمكانية التدخل المحدود عند الضرورة. ويتوافق هذا التحول مع نمط أوسع في الاستراتيجية الأمريكية يقوم على إدارة النفوذ بأقل كلفة عسكرية ممكنة.
ويمثل الانسحاب الأمريكي من سوريا انتقالًا من الحضور العسكري المباشر إلى التأثير السياسي غير المباشر، فهو خروج من الميدان دون مغادرة الحسابات الاستراتيجية. وبين هذين المستويين، تتبلور مرحلة جديدة يُعاد فيها ترتيب المشهد السوري داخليًا وإقليميًا، ضمن توازنات نفوذ مختلفة وسط مخاوف من ان يتم تعويض الدور الأمريكي بتواجد صهيوني مع توسع إسرائيلي غير مسبوق في المنطقة دون رادع .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115