مسرحية "امل " اخراج جواد الاسدي صورة الوطن الموجوع والمثقف المنهزم توضع عارية على الخشبة

يحملون الوطن اينما ولوّا وجوههم، يختزلون حروبه وتاريخه وحكاياته الكثيرة

في كتاباتهم ونصوصهم المسرحية والابداعية، يصبح الوطن فكرة او لوحة يتأملونها كلما ضاقت السبل، يكتبون معاناته ووجع اولاده واحلامهم ويبعثونها شخصيات حية على الخشبة، لان المسرح فعل مستمر للمقاومة والامل وهو عنوان العرض المسرحي الذي كتبه واخرجه الفنان جواد الاسدي وسكب داخله الشجن والبسه لباس الحب رغم السواد.

"امل" مسرحية من تمثيل رضاب احمد وحيد جمعة وسينوغرافيا لعلي محمود السوداني والادارة المسرحية لبهاء خيون وازياء وماكياج هشام جواد وصوت مجد حميد والمسرحية صرخة امل ضد كل تصدعّات اليوم ونداء حقيقي للحياة.

حين ينهزم المثقف ينتشر الخراب في المدينة:

تعيش العراق منذ فجر التاريخ صراعات وحروب كثيرة انعكست على اعمال ابنائه الفنية، على الركح يحمل السينوغراف علي محمود السوداني والمخرج جواد الاسدي عراقهم بكل وجعه ومشاكله وسوداويته احيانا ويحوّلونه الى صور ومناظر ترسخ في ذاكرة المتلقي.
يعتبر المثقف هو واجهة الحقيقة وصورة الواقع العارية من كل زيف والكتاب عبر التاريخ كان مرجعا للحقيقة وللحكايات الصادقة فالكتاب وثّق كل الملاحم التي عاشها الانسان العراقي وحروبه النفسية والجسدية، حروب خاضها المبدع واخرى عاشها المواطن العادي، اصوات رصاص ورائحة موت ودم انصهرت بين دفات الورق وانهالت كلمات وجمل لتشكل مدونة مكتوبة بالدم والحبّ ومن فكرة دور المثقف في المجتمع ولدت سينوغرافيا عرض "امل" فالمكتبة العظيمة ستكون واجهة الجمهور وستكون المتحكم الاول في مشاعر الشخصية ومواقفها.
مكتبة عظمى مليئة كتب شبه مائلة، كتب متناثرة في كامل فضاء اللعب، المكتبة هي المنطلق والنهاية ايضا، هي فضاء اجتماع الشخصيات ومجال حوارهم فالمكتبة بكتبها المتراكمة وكلماتها المتناثرة ستختزل صورة العراق بكل وجعه وحروبه وتصدعاته التي يعيشها مثقف العصر الراهن، ذاك المتعب بذكريات الامس والخائف من رصاصة غدر طائشة وفي الوقت ذاته مجبر على الحلم والابداع لكتابة تاريخ العراق واضفاء امل على صورة الغد، بين هاتين الحالتين النفسيتين سيحمل الممثلين حيدر جمعة ورضاب احمد جمهور المسرحية ويدخلونهم الى عوالم الشخصية وانفعالات نفسية وعصبية توهن الروح قبل الجسد.
الاضاءة تلعب دورها في نحت ملامح الشخصية والمكان، فالاضاءة شبه منعدمة وكانها تدخل اغوار الروح المثقلة بالحرب، الاضاءة توزع حسب افكار الشخصية لا حركتها والضوء في العمل يتماهى مع وضعية الشخصية وقلقها النفسي، فعبر الاضاءة يمكن قراءة الخوف داخل الانثى من الغد ومشاهدة مدى بشاعة ندوب الحرب في قلب وروح المثقف الاستاذ، اذ لا يكتمل المنظر المسرحي الا بوجود الشريك له (الاضاءة) التي تكتمل عبرها عملية الابصار وهي العنصر الذي يرفع قيمة الاشياء جماليا وفكريا، ان الاضاءة والمنظر لديهما القدرة على التفاعل بوجود مجموعة التقنيات الرقمية الحديثة لخلق عمل فني متكامل" كما يقول سينوغراف العرض الدكتور علي محمود السوداني في كتابه "جماليات المنظر الرقمي".

 

اما الموسيقى فتصنعها صوت قطرات الماء المنسكبة على الركح طيلة العرض، صوت مزعج ومقلق يحمل المتلقي مباشرة الى زنازين التعذيب ورائحة الخوف، صوت يصمّ الاذن ويجعل متابع العمل يحفّز ذكرياته علّه يجد داخلها ما قرأه عن حروب الشوارع والاعدامات ورائحة الخوف في شوارع بغداد طيلة حروب كثيرة عاشها البلد المتعب باحلام ابنائه.
الموسيقى القارة (صوت الماء) هو ايضا رغبة في التطهّر من ادران الوجع، فالماء كان دائما رمزية للحياة من جديد، الماء عنوان للخلق وللبدايات كذلك شخصيات المسرحية كلما ضاقت امامها السبل التجأت الى الماء لتصنع موسيقى حية، يمتزج فيها الماء بجسد الممثل وثورته الداخلية على واقع البلد ومنهم يشكلون صورا بصرية مبهرة تتماهى مع النص الموجع والكثير من لحظات الصمت القاتلة، لحظات بحجم الخوف الذي تعيشه امّ تحمل في احشائها جنينها لكنها ترغب في اجهاضه حتّى لا تفجع فيه "الى ايّ مذبحة تريدني ا نازفّ جسدي وليدي؟ الى اي محرقة تريدني ان انجب ابني؟ اي وجع وخوف ساعيشه حين يقتل ابني؟" وكلمات كثيرة تتزاحم في حلق شخصية امل فقط لتكشف القليل من وجع الام العراقية قديما وحديثا بسبب الحروب الكثيرة من حرب النار الى حرب الادمان.
مزج المخرج والسينوغراف المؤثرات الصوتية والضوئية وانسجمت مع اداء الممثلين وصدقهم لتحمل جمهور العمل الى واقع بغداد وصراعاته القديمة، نقدوا في العمل وضعية المثقف الانهزامي، فشخصية "باسم" رجل الثقافة وكاتب الشعر في العمل ينساق الى "الارق" حتى يسقط في فخ الخوف المرضي، يخاف الخارج والداخل، يعيش مع ذكرياته الموجعة "كان جسد ابي يطفوا امامنا في النهر حاملا العصير، لازلت ارى صورته دوما"، لذلك كانت كل الكتب متناثرة ومرمية في كل زاوية، مشتتة شتات افكاره ومشاعره، وكلما انعزل المثقف عن محيطه وقصّر في دوره الفكري الا واصبحت المدينة خرابة وانتشرت رائحة الموت عوض الزهور والمكتبة المائلة كانت اكبر الرموز المحيلة الى تراجع دور المثقف وانهزاميته.

ويبقى الامل ...سلاح الصادقين

يولد الامل من ركام الالم، تزهر الحياة دوما من بين خراب الذات والمجموعة، تنصهر مشاعر الخيبة وتعوّض باخرى اكثر جمالية هكذا هي العراق مدينة للامل والحب رغم الخراب والخوف، بعد كل حرب تنتفض المدينة وتمسح عنها تراب الخوف وتزرع عوضها زهور للجمال والحياة، فالعراق ارض الثقافات تحوّل وجعها الى جمال تماما كاثنى ساحرة لا تعرف معنى الهزيمة، ومن وسط خرابها النفسي ستنتصر شخصيات مسرحية "امل" على واقعها وتقرر النهوض من ذاك الخراب الداخلي.
"امل" مسرحية تنقل للجمهور تصدعات المجتمع العراقي انطلاقا من حكاية زوجين، حبيبين كل يحمل داخله وجع الوطن بطريقته، كل منهما تعرض الى مذبحة او ظلم بسبب الحروب المتكررة، تجد المرأة نفسها حاملا وتقرر اجهاض الجنين ومن هنا يبدأ الصراع بين الشخصيتين، كل منهما له وجهة نظر في الموضوع، هي تلح على الاجهاض خوفا على الوليد من ندوب الحرب والمقاصل الكثيرة الجسدية والمعنوية، وهو يريده بذرة تعالج الروح من اوجاعها.
الخطاب في العمل بالعربية الفصحى مع استعمال بعض الكلمات من اللهجة العراقية، مزيج لغوي ممتع وانسيابية الوجع جسّدت اكثر في حركات الجسد والانسجام بين الممثل وشخصيته، للعمل اختار مخرجه الكثير من الرموز واولها اسماء الشخصيات "باسم" رجل مثقف له كتابات شعرية، قارئ نهم، باسم من البسمة المسروقة عنوة طيلة العمل من واقع العراقيين بسبب الحروب الكثيرة والخوف الاكبر من المستقل، و"امل" الطالبة والحالمة، هي الامل المترنّح في بلد سرقت الكثير من احلام اطفاله، لكن "الامل" لا يموت، والبسمة لن تمحى، ان ستشرق الشمس من جديد، ستنار الدروب المظلمة وستبتسم امل الحزينة ويعود الامل لباسم المنهزم لاجل "الجنين" في اشارة الى الولادة الجديدة، وجيل اخر يحمل فوق اكتافه احلام البلد ويدافع عن تاريخها وثقافتها، لان الامل سلاح حقيقي للبقاء.
يرى هيدغير بان الوجود هو انبثاق، والفنان يحمل على عاتقه مهمة اعادة النظر في كل ما هو موجود، والبحث في اعادة تكوين الذائقة الجمالية لذات الفنان قبل المتلقي في استثمار كل تقنياته وادواته، وطريقة انتاجه للمنتج الفني حسب معطيات تقنية، اذ شكلت الصورة ضرورة انسانية ومن هذه الجمل انسابت الصور في مسرحية "امل" لتحفذ الذاكرة الانفعالية للمتلقي وتقدم له صور عن المثقف ودوره في بناء المجتمع وجواد الاسدي بكل ما يحمله من رصيد معرفي ومسرحي وما عاشه من انكسارات البلد امامه يعدّ ابرز مثال لمثقف بحجم وطن، مبدع يحمل وطنه بين جنبات القلب ويزرعه املا وحبا ويرفض فكرة الهزيمة او الظلام، اذ سيبقى العراق دائما منبع للفكر والثقافة وما ارتفاع المكتبة تدريجيا اخر المسرحية الا تأكيد انّ المثقف باق ويبقى معه الامل.

 

المشاركة في هذا المقال

Leave a comment

Make sure you enter the (*) required information where indicated. HTML code is not allowed.

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115