من منزل بوزيان إلى العاصمة.."مسيرة الكرامة" سيرا على الأقدام: المعطلون يصعّدون للمطالبة بتفعيل القانون عدد 18 وسط ترقب لقاء مع رئيس الجمهورية

من منزل بوزيان إلى قصر قرطاج سيرا على الأقدام

لمسافة تتجاوز 300 كيلومتر،  يواصل عدد من أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم تحركهم الاحتجاجي، وسط تصاعد المطالب بإنهاء الانتظار وتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025. ومع اقتراب المسيرة من العاصمة، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان هذا التحرك سيفضي إلى لقاء مع رئيس الجمهورية قيس سعيّد، في وقت تحدث فيه بعض المشاركين عن تفاعل من رئاسة الجمهورية مع وضعيتهم.

تتواصل "مسيرة الكرامة" التي انطلقت من معتمدية منزل بوزيان من ولاية سيدي بوزيد باتجاه العاصمة،  وقد اختار المشاركون السير على الأقدام ، في تحرك يراد منه إيصال مطالبهم مباشرة الى رئاسة الجمهورية، بعد سلسلة من الوقفات والاعتصامات والتحركات الاحتجاجية التي لم تؤد، وفق روايتهم، الى تفعيل فعلي للقانون عدد 18.

سبعة أيام على الطريق.. والمسيرة تتوسع

بعد نحو أسبوع من السير على الأقدام وقطع مئات الكيلومترات، تقترب المسيرة من تونس العاصمة، وسط حالة من الترقب بشأن المحطة الأخيرة للتحرك، والمتمثلة في الوصول إلى محيط قصر قرطاج وطرح ملف المعطلين مباشرة أمام رئاسة الجمهورية. وتأتي هذه المسيرة في سياق احتجاجات متواصلة يخوضها أصحاب الشهائد العليا ممن طالت بطالتهم، للمطالبة بتفعيل القانون عدد 18 لسنة 2025 المتعلق بالأحكام الاستثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم في القطاع العام والوظيفة العمومية. وينص القانون، الصادر في ديسمبر 2025، على معالجة وضعية هذه الفئة عبر انتداب استثنائي، كما ينص على إحداث منصة رقمية يتم من خلالها تسجيل المترشحين وترتيبهم تفاضليا وفق معايير مضبوطة، على أن تتم الانتدابات على دفعات لا تتجاوز ثلاث سنوات من تاريخ صدور القانون. هذا و قد انطلقت المجموعة الأولى من المشاركين من منزل بوزيان يوم 27 سبتمبر المنقضي، قبل أن تتقدم تدريجيا في اتجاه العاصمة، مرورا  بعدد من المناطق والولايات.

وفي مراحلها الأولى، واجه المشاركون صعوبات بدنية وصحية نتيجة المسافة الطويلة، إذ تحدث المشاركون عن حالات إعياء وإغماء وتورم في الأقدام، في وقت واصلت فيه المجموعة تقدمها رغم المشقة. وبحسب شهادات نقلت عن المشاركين، انطلقت المسيرة بعدد محدود من الأشخاص قبل أن يرتفع عدد المشاركين تدريجيا مع تقدمها نحو العاصمة، في تعبير عن اتساع دائرة التضامن مع هذا التحرك. وكانت المسيرة قد وصلت إلى القيروان بعد قطع أكثر من 150 كيلومترا، قبل أن تواصل طريقها باتجاه العاصمة. وقد اعتبر المشاركون أن الوصول إلى العاصمة ليس الهدف النهائي بحد ذاته، وإنما وسيلة لإيصال ملفهم إلى أعلى مستوى من القرار والمطالبة بتطبيق القانون الذي يرونه حلا لوضعية سنوات طويلة من البطالة.

حادث مرور يغيّر مسار الاحتجاج

وفي خضم تقدم "مسيرة الكرامة"، تعرض اثنان من المشاركين إلى حادث مرور بمدينة كندار من ولاية سوسة، بعد أن صدمتهما دراجة نارية. وأكدت المعطيات المتعلقة بالحادث إصابة أحد المشاركين بكسر على مستوى الساق، استدعت خضوعه لعملية جراحية، في حين تعرض المشارك الثاني إلى إصابات وجروح متفاوتة. وأثار الحادث حالة من الغضب والاحتقان في صفوف المشاركين وأهالي منزل بوزيان، خصوصا أن الحادث وقع في سياق تحرك احتجاجي متواصل وعلى الطريق الذي تسلكه المجموعة باتجاه العاصمة. وعقب الحادث، شهدت منزل بوزيان تحركات احتجاجية تضامنية مع المشاركين، تخللتها عمليات غلق لعدد من الطرقات وإشعال العجلات المطاطية، وسط مطالب بكشف ملابسات الحادث وتحميل المسؤوليات وفق ما ستكشفه التحقيقات.

أهالي منزل بوزيان يدخلون على خط الاحتجاج

لم يتوقف التضامن عند المشاركين في المسيرة، إذ خرج عدد من أهالي منزل بوزيان في تحرك احتجاجي عقب الحادث، تعبيرا عن مساندتهم للمشاركين المصابين وللمسيرة التي انطلقت من المنطقة. وأكد المحتجون ضرورة كشف حقيقة الحادث للرأي العام، مع التشديد على أن سلامة المشاركين في التحركات الاجتماعية السلمية يجب أن تكون محل حماية ومسؤولية. ويعكس هذا التحرك توسع دائرة التضامن مع "مسيرة الكرامة" التي بدأت كمبادرة احتجاجية لمجموعة من المعطلين عن العمل قبل أن تتحول تدريجيا إلى قضية تحظى باهتمام محلي ووطني.

تمسّك بالسلمية ورفض توظيف المسيرة

من جهتها، شددت الناطقة باسم حراك المعطلين عن العمل بمنزل بوزيان نعيمة ضيف الله على أن المسيرة ذات طابع اجتماعي ومطلبي، وأن مطلب المشاركين الأساسي يتمثل في تفعيل القانون عدد 18. وأكدت رفض أي محاولة لاستغلال التحرك أو تغيير شعاراته ومطالبه، مشيرة إلى أن أي مواقف أو شعارات تصدر عن أشخاص لا ينتمون إلى المسيرة لا تمثل المشاركين فيها. كما شددت على تمسك أصحاب المسيرة بسلميتها، وعلى أن هدفهم الأساسي هو الوصول إلى العاصمة وطرح ملفهم والمطالبة بلقاء رئيس الجمهورية.

نحو قصر قرطاج.. ولقاء مرتقب مع رئيس الجمهورية

ومع اقتراب المسيرة من تونس العاصمة، تتجه الأنظار إلى المحطة التي حددها المشاركون منذ البداية، الوصول إلى قصر قرطاج. وتشير المعطيات المتداولة إلى إمكانية عقد لقاء مع رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خاصة في ظل الحديث عن تفاعل من رئاسة الجمهورية مع وضعية المشاركين، إضافة إلى معطيات تفيد بتوفير ظروف للإيواء والنقل للمشاركين خلال مراحل المسيرة. ويمثل هذا اللقاء، في حال تأكده، محطة مفصلية في مسار "مسيرة الكرامة"، باعتبار أن المحتجين يتوجهون مباشرة إلى أعلى هرم السلطة حاملين ملفا يصفونه بأنه ظل عالقا رغم صدور قانون خاص ينظم الانتداب الاستثنائي لهذه الفئة.

ويتمحور التحرك أساسا حول القانون عدد 18 لسنة 2025، المتعلق بالأحكام الاستثنائية لانتداب خريجي التعليم العالي ممن طالت بطالتهم في القطاع العام والوظيفة العمومية. وينص القانون على آلية استثنائية للانتداب، وفق ترتيب تفاضلي ومعايير محددة، كما يتضمن إحداث منصة رقمية لتسجيل المترشحين وترتيبهم تمهيدا للانتداب. وكانت الحكومة مطالبة باستكمال الإجراءات والآليات الضرورية لتفعيل القانون، إلا أن المعطلين يعتبرون أن التأخر في إحداث المنصة والانطلاق الفعلي في تنفيذ أحكام القانون يمثل استمرارا لسياسة التسويف والمماطلة. وقد أصبح هذا الملف محورا لتحركات متكررة خلال الأشهر الماضية، في العاصمة وعدد من الجهات، قبل أن ينتقل التصعيد هذه المرة إلى مسيرة طويلة باتجاه قصر قرطاج. ويطالب المحتجون بالتطبيق الفعلي للقانون والإسراع في إطلاق المنصة الإلكترونية الخاصة بالتسجيل والترتيب.

مسيرة تتجاوز مطلب الانتداب

ورغم أن الانتداب وتفعيل القانون عدد 18 يمثلان جوهر التحرك، فإن "مسيرة الكرامة" تكشف أيضا عن عمق أزمة اجتماعية مرتبطة بالبطالة طويلة الأمد لدى خريجي التعليم العالي، فالمشاركون الذين اختاروا قطع مئات الكيلومترات سيرا على الأقدام يريدون، وفق تصريحاتهم، إيصال رسالة مفادها أن سنوات الانتظار لم تعد قابلة للاستمرار وأن صدور قانون خاص بوضعيتهم رفع سقف التوقعات لديهم بشأن إيجاد حل ملموس. وقد سبق للمحتجين تنظيم وقفات واعتصامات وتحركات للمطالبة بالتشغيل، في ظل ما يعتبرونه سنوات من الانتظار والتهميش، قبل أن يقرر المشاركون من منزل بوزيان نقل احتجاجهم إلى مستوى أكثر تصعيدا .

مع توقع وصول "مسيرة الكرامة" إلى تونس العاصمة، تبدو الساعات المقبلة حاسمة بالنسبة إلى مسار هذا التحرك، فالمشاركون لا يحملون فقط مطلبا متعلقا بالانتداب، بل يسعون إلى تحويل القانون عدد 18 من نص قانوني إلى إجراءات عملية تفتح أمامهم مسارا واضحًا نحو التشغيل.

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115