الذي ينفذه أعوان وإطارات شركات نقل المحروقات، والذي كان قد انطلق منذ منتصف ليل الأربعاء 23 سبتمبر، على خلفية مطالب مهنية واجتماعية تتعلق أساسا بالصحة والسلامة المهنية والتغطية الاجتماعية والزيادة في الأجور إلى جانب المطالبة بتنفيذ عدد من الاتفاقات السابقة وفي مقدمتها محضر جلسة 2 ماي 2019.
ويأتي الإضراب بعد مسار من المفاوضات والتحركات الاحتجاجية، وفي ظل تباين واضح بين الموقف النقابي وموقف الغرفة المهنية التابعة لمنظمة الأعراف بشأن عدد من الملفات، من بينها قانونية الإضراب، ومدى احترام الإجراءات القانونية ووضعية التغطية الاجتماعية للعمال وكذلك الاتفاقات السابقة المتعلقة بالزيادات والمنح.
اليوم الثاني من الإضراب وسط تمسك نقابي بالمطالب
دخل إضراب قطاع نقل المحروقات اليوم الخميس يومه الثاني، بعد أن شهد يومه الأول، وفق تأكيدات الجامعة العامة للنفط والمواد الكيمياوية، مشاركة واسعة من العمال في مواقع الإنتاج والنقل الكبرى، ولا سيما رادس وبنزرت والصخيرة. وقال الكاتب العام للجامعة العامة للنفط والمواد الكيمياوية سليم السحيمي إن الإضراب عرف، حسب تقديره، نجاحا كبيرا رغم ما وصفها بمحاولات التشويش والإرباك، مؤكدا أن العمال تمسكوا بحقهم في الاحتجاج دفاعا عن مطالبهم المهنية والاجتماعية. وأوضح السحيمي أن الجامعة لا تعتبر الإضراب هدفًا في حد ذاته، وإنما وسيلة للدفع نحو الاستجابة إلى مطالب العمال والتوصل إلى حلول تفاوضية. وبحسب الموقف النقابي، فإن المطالب الأساسية تتمثل في ضمان شروط الصحة والسلامة المهنية وتوفير التغطية الاجتماعية بما يضمن حق العمال وعائلاتهم في العلاج إضافة إلى الزيادة في الأجور وتسوية عدد من المسائل العالقة المرتبطة بالاتفاقات السابقة.
من جهته، قال الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل، المسؤول عن قسم القطاع الخاص، الطيب البحري، إن الإضراب جاء بعد سلسلة من المساعي التي قال إن الطرف النقابي بذلها للوصول إلى اتفاق. وأشار البحري في تصريح للشعب نيوز إلى أن العمال سبق أن نفذوا تحركا احتجاجيا يوم 20 أوت الفارط، قبل أن يعودوا إلى العمل إثر تدخل هياكل الاتحاد ودعوتها إلى الحوار ومنح مهلة للأطراف المعنية لتنفيذ التعهدات والالتزامات الاجتماعية. وشدد على أن عدم التوصل إلى نتائج ملموسة خلال الفترة اللاحقة دفع إلى العودة إلى التحرك الاحتجاجي وتنفيذ الإضراب المقرر ليومي 23 و24 سبتمبر الجاري. وأكد البحري أن هياكل الاتحاد تابعت الإضراب ميدانيا، وأن العمال أظهروا انضباطًا وتمسكا بالهياكل النقابية وبالمطالب المرفوعة.
المطالب المرفوعة
تتركز المطالب المعلنة للعمال في ثلاثة محاور رئيسية، ويأتي في مقدمتها توفير شروط الصحة والسلامة في مواقع العمل بالنظر إلى طبيعة النشاط المرتبط بنقل المحروقات والمواد الخطرة وما يتطلبه ذلك من إجراءات وقائية ومهنية خاصة، أما المحور الثاني فيتعلق بالتغطية الاجتماعية، حيث تطرح النقابة مسألة تمكين العمال وعائلاتهم من حقوقهم في العلاج، إضافة إلى وضعية المساهمات الاجتماعية التي يتم اقتطاعها من أجور العمال. ويتمثل المحور الثالث في الزيادة في الأجور وتسوية المستحقات المالية والاجتماعية التي تقول الجامعة العامة للنفط إنها ما تزال محل خلاف بين الأطراف. كما يطالب الطرف النقابي بتنفيذ أو إعادة التفاوض بشأن عدد من البنود الواردة في اتفاقات سابقة، وخاصة محضر جلسة 2 ماي 2019.
خلاف حول محضر 2 ماي 2019
يشكل محضر جلسة 2 ماي 2019 أحد أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، فالجامعة العامة للنفط تعتبر أن المحضر يتضمن حقوقا ومنحا واستحقاقات مالية واجتماعية لفائدة أعوان قطاع نقل المحروقات والمواد الخطرة، وترى أن عددا من بنوده لم يقع تفعيلها بالشكل المطلوب، وفي المقابل، تقول الغرفة الوطنية لنقل المواد الخطرة والجامعة الوطنية للنقل إن المطالبة بتفعيل المحضر لم تعد مبررة، معتبرتين أنه تم التراجع عنه وإبطاله منذ سنوات، كما أشارتا إلى أن الاتفاق العام للزيادة في الأجور للفترة 2022-2024 تجاوزه في عدد من المسائل. ويعكس هذا الخلاف استمرار تباين المواقف حول المرجعية الاتفاقية التي ينبغي اعتمادها في تسوية المطالب المالية والمهنية للقطاع.
الغرفة المهنية تشكك في قانونية الإضراب
في المقابل، أعلنت الغرفة الوطنية لنقل المواد الخطرة والجامعة الوطنية للنقل التابعة لاتحاد الأعراف أن شركات نقل المحروقات لم تتلق برقية إضراب قانونية تستجيب لمقتضيات مجلة الشغل. واعتبر الطرف المهني أن أي توقف عن العمل أو تعطيل لجولان الشاحنات خلال فترة الإضراب يمثل تصرفا غير قانوني. وأكدت الغرفتان، في بيان توضيحي، أن شركات توزيع النفط وشركات نقل المحروقات ومحطات بيع الوقود تعمل على مواصلة النشاط وتزويد المحطات بالكميات اللازمة خلال يومي 23 و24 سبتمبر. كما قالتا إن الحوار الاجتماعي على مستوى المؤسسات لم ينقطع، وإن الشركات ما تزال مستعدة لمعالجة الصعوبات التي قد تكون مطروحة.
النقابة ترد.. برقية الإضراب صدرت منذ أكثر من شهر
في المقابل، رفض الأمين العام المساعد لاتحاد الشغل الطيب البحري ما اعتبره تشكيكا في قانونية الإضراب. وقال إن برقية الإضراب صدرت منذ أكثر من شهر، وبالتالي فإن المهلة القانونية تم احترامها. وتحولت مسألة الإجراءات القانونية للإضراب إلى أحد محاور الخلاف الأساسية بين الطرفين، في ظل تمسك كل جهة بقراءتها للنصوص والإجراءات المنظمة للإضرابات. هذا ومن بين المسائل التي أثارت جدلا خلال اليوم الأول من الإضراب مدى تأثيره على تزويد السوق بالمحروقات، وقال الطرف النقابي إن عدم ظهور طوابير طويلة أمام محطات بيع الوقود لا يعني فشل الإضراب، معتبرا أن ذلك يرتبط أساسا باستعداد المواطنين وأصحاب وسائل النقل، الذين قام عدد منهم بالتزود بالوقود قبل موعد الإضراب. وأشار سليم السحيمي إلى أن الطوابير ظهرت في عدد من المحطات قبل يومين من دخول الإضراب حيز التنفيذ، وهو ما اعتبره دليلا على أن المواطنين أخذوا موعد الإضراب بعين الاعتبار.
في المقابل، أعلنت الغرفة المهنية تجند شركات توزيع النفط وشركات نقل المحروقات ومحطات بيع الوقود لضمان استمرار التزويد وتوفير الكميات اللازمة للسوق. ويبقى حجم التأثير الفعلي للإضراب على عمليات التوزيع مرتبطًا بمدى استمرار التوقف وبقدرة الشركات على تأمين عمليات النقل والتزويد خلال الساعات المقبلة.
جدل حول الاستعانة بمتقاعدين لسياقة الشاحنات
ومن النقاط التي أثارها اتحاد الشغل ما وصفه باستعانة بعض الشركات بمتقاعدين لسياقة شاحنات نقل المحروقات. وقال الطيب البحري إن ذلك يمثل خرقًا للقانون وخطرا محتملا على السائقين والمواطنين، مؤكدا أن سياقة شاحنات المحروقات والمواد الخطرة تتطلب مؤهلات مهنية خاصة. ويأتي هذا الاتهام في سياق الخلاف بين الطرفين حول مدى مشاركة العمال في الإضراب، إذ تؤكد النقابة أن العمال منخرطون في التحرك، بينما تشير الغرفة المهنية إلى قدرة المؤسسات على مواصلة النشاط وتأمين التزويد.
رغم تعدد الاتصالات والمواقف المعلنة خلال الأيام الماضية، لم يتم الإعلان، إلى اليوم الخميس، عن اتفاق نهائي ينهي الإضراب ويعيد النشاط إلى نسقه العادي، ويؤكد الطرف النقابي أنه كان منفتحا على الحوار والتفاوض، لكنه يحمل وزارة الشؤون الاجتماعية مسؤولية عدم الوصول إلى جلسة صلحية تفضي إلى حل. أما الطرف المهني فيؤكد بدوره أن الحوار داخل المؤسسات لم يتوقف، وأن الشركات مستعدة لمعالجة الإشكالات المطروحة، مع رفضه عددا من المطالب والصيغ التي يطرحها الطرف النقابي.
في انتظار ما ستحمله الساعات القادمة
مع دخول الإضراب يومه الثاني، تتجه الأنظار إلى الساعات المتبقية من التحرك وإلى ما إذا كانت الاتصالات بين الأطراف ستفضي إلى استئناف المفاوضات أو إلى تمديد الأزمة، ويؤكد اتحاد الشغل أن التحرك ذو طابع مطلبي وسلمي، مع التشديد على احترام القانون والمحافظة على سلامة الأشخاص والممتلكات وتأمين الخدمات الأساسية. في المقابل، تتمسك الغرف المهنية بمواصلة نشاط المؤسسات وتأمين تزويد السوق وتدفع باتجاه التأكيد على قانونية الإجراءات واستمرارية العمل. ويبقى إنهاء الإضراب مرتبطا بقدرة مختلف الأطراف على العودة إلى طاولة التفاوض والتوصل إلى تسويات عملية بشأن الملفات العالقة بما يضمن حقوق العمال واستمرارية نشاط نقل المحروقات وتفادي انعكاسات إضافية على السوق والخدمات الأساسية.