في تونس تراجعا في نسبة البطالة إلى 14.9 %، تطرح المعطيات المتعلقة بتطور عدد السكان النشيطين ومواطن الشغل أسئلة جدية حول حقيقة هذا الانخفاض ومدى قدرته على عكس تحسن فعلي في وضعية التشغيل،فالتراجع في نسبة البطالة لا يكون بالضرورة نتيجة خلق وظائف جديدة، إذ يمكن أن يتزامن مع خروج جزء من طالبي الشغل من سوق العمل، سواء بفعل اليأس من الحصول على وظيفة أو نتيجة الهجرة.
وفي هذا السياق، يلفت أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي إلى وجود مفارقة بين انخفاض نسبة البطالة من جهة وفقدان آلاف مواطن الشغل وتراجع عدد الناشطين من جهة أخرى، معتبرا أن قراءة أرقام سوق الشغل تستوجب النظر إلى مختلف المؤشرات مجتمعة، لا الاكتفاء بنسبة البطالة وحدها، وقال رضا الشكندالي في تصريح لـ"المغرب" إن الدولة تتبع سياسات اقتصادية خاطئة، معتبرا أن "عدو الاقتصاد موجود في سياسة الاقتصاد وليس خارج الاقتصاد".
فقدان 58 ألف موطن شغل
اعتبر أستاذ الاقتصاد رضا الشكندالي أن تراجع نسبة البطالة في تونس خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 لا يمكن قراءته باعتباره مؤشرا على تحسن أداء الاقتصاد أو نجاح السياسات الاقتصادية في خلق مواطن الشغل، مشددا على أن انخفاض نسبة البطالة إلى 14.9 بالمائة لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد التونسي أصبح أكثر قدرة على خلق فرص العمل، موضحا أن جزءا من هذا التراجع مرتبط بانسحاب عدد من التونسيين من سوق الشغل، سواء بسبب اليأس من العثور على عمل أو نتيجة مغادرة البلاد بحثا عن فرص أفضل. وأوضح أن قراءة مؤشرات البطالة يجب ألا تقتصر على النسبة المعلنة، بل ينبغي ربطها بتطور عدد الناشطين ومواطن الشغل المحدثة خلال الفترة نفسها. وأشار إلى أن الاقتصاد الوطني فقد نحو 58 ألف موطن شغل خلال الثلاثي الثاني من سنة 2026 مقارنة بالثلاثي السابق، في وقت تراجع فيه عدد السكان النشيطين بحوالي 77 ألفا و500 شخص، من نحو 4.26 مليون إلى قرابة 4.19 مليون شخص.
وبيّن أن هذه الأرقام تطرح سؤالا أساسيا حول أسباب تراجع نسبة البطالة، "هل انخفضت البطالة لأن الاقتصاد خلق مواطن شغل جديدة، أم لأن جزءا من طالبي الشغل غادروا سوق العمل؟". وأكد أن انخفاض عدد الباحثين عن العمل يمكن أن يؤدي حسابيا إلى تراجع نسبة البطالة، حتى في حال لم يتحسن حجم التشغيل، وهو ما يجعل المؤشر في حد ذاته غير كاف للحكم على حقيقة الوضع الاقتصادي والاجتماعي.
"انسحاب جماعي" من سوق الشغل
ويرى الشكندالي أن ما يحدث يعكس حالة من الإحباط المتزايد لدى فئات من الشباب، خاصة أولئك الذين لم يجدوا فرصا تتناسب مع مؤهلاتهم وطموحاتهم. وقال إن الشاب الذي يفقد الأمل في الحصول على وظيفة قد يتوقف عن البحث عن العمل، وبالتالي لا يعود مصنفاضمن العاطلين وفق المنهجية الإحصائية المعتمدة، كما يمكن أن يختار الهجرة ومغادرة البلاد، وهو ما يؤدي بدوره إلى تراجع عدد السكان النشيطين. وأضاف أن تراجع البطالة في هذه الحالة لا يمثل بالضرورة خبرا إيجابيا، لأن انخفاض المؤشر قد يكون ناتجا عن تقلص حجم القوة العاملة وليس عن توسع قدرة الاقتصاد على التشغيل.وبحسب الشكندالي، فإن "المشكلة ليست فقط في نسبة البطالة، وإنما في قدرة الاقتصاد على الاحتفاظ بالناشطين واستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل وخلق فرص شغل ذات قيمة مضافة".
البطالة تتراجع ومواطن الشغل تتقلص
وشدد أستاذ الاقتصاد على أن فقدان مواطن الشغل بالتزامن مع تراجع عدد الناشطين يكشف عن مفارقة تستوجب التوقف عندها، مشيرا إلى أن المؤشرات الاقتصادية لا ينبغي أن تقرأ بمعزل عن بعضها البعض، موضحا أن الاقتصاد الذي يخلق الثروة ومواطن الشغل يفترض أن يسجل ارتفاعا في حجم التشغيل، وأن يصبح قادرا على استيعاب أعداد جديدة من الباحثين عن العمل، لا أن تتراجع أعداد الناشطين بسبب فقدان الأمل أو الهجرة. وأضاف أن تقييم سوق الشغل يتطلب النظر إلى عدة مؤشرات مجتمعة، من بينها عدد مواطن الشغل ونسبة المشاركة في سوق العمل وعدد السكان النشيطين ونسبة البطالة فضلا عن طبيعة الوظائف التي يتم خلقها والقطاعات التي تستقطب اليد العاملة. وفي السياق نفسه، توقف الشكندالي عند تطور بطالة أصحاب الشهائد العليا، معتبرا أن ارتفاع هذه النسبة يكشف عن أزمة أعمق من مجرد ارتفاع أو انخفاض معدل البطالة العام. وبحسب المعطيات التي أشار إليها، ارتفعت نسبة البطالة لدى خريجي الجامعات من 24 بالمائة خلال الثلاثي الثاني من سنة 2025 إلى 26.6 بالمائة خلال الفترة نفسها من سنة 2026.
اقتصاد لا يخلق الثروة بالسرعة المطلوبة
وفي تشخيصه لأسباب الأزمة، اعتبر الشكندالي أن الاقتصاد التونسي يعاني من ضعف الاستثمار خاصة الاستثمار الخاص القادر على خلق الثروة ومواطن الشغل المستدامة. وقال إن الدولة "تفعل بنفسها ما لا يفعله العدو بعدوه" عندما تتبع سياسات اقتصادية يرى أنها لا توفر البيئة المناسبة للاستثمار، وأوضح أن الإشكال المركزي يتمثل في عدم جاذبية مناخ الأعمال والاستثمار، نتيجة السياسات الاقتصادية المتغيرة، وتعدد الإجراءات الإدارية، وتعقيد المسارات أمام المستثمرين، فضلا عن صعوبة القيام بالأعمال. وأكد الشكندالي أن تراجع نسبة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي يمثل أحد أبرز المؤشرات على الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد. وأوضح أن خلق الثروة لا يمكن أن يتم بصورة مستدامة من دون استثمارات قادرة على تطوير المؤسسات ورفع الإنتاجية وخلق مواطن شغل جديدة.
أزمة التشغيل أعمق من رقم البطالة
وشدد محدثنا على أن أزمة التشغيل أصبحت مرتبطة بطبيعة النمو الاقتصادي نفسه، وبمدى قدرته على خلق وظائف مستقرة ومنتجة تستجيب لتطلعات الشباب، فإذا كان انخفاض البطالة يأتي في الوقت الذي يفقد فيه الاقتصاد مواطن شغل ويتراجع فيه عدد الناشطين، فإن ذلك لا يمكن اعتباره مؤشرا كافيا على التعافي، وفق تقديره. وأضاف أن تونس تحتاج إلى سياسة اقتصادية تجعل الاستثمار في القطاع الخاص محركا أساسيا للنمو. وحذر الشكندالي من أن استمرار هذا الوضع قد يعزز ظاهرة هجرة الكفاءات والشباب، خصوصا في ظل اتساع الفجوة بين مستوى التعليم والتكوين من جهة، والفرص المتاحة في سوق العمل من جهة أخرى.
وعليه، فإن تراجع البطالة في ظل فقدان مواطن الشغل وتراجع عدد الناشطين يستوجب، وفق تقديره، قراءة مختلفة للأرقام، لأن انخفاض النسبة قد يخفي وراءه انسحابا متزايدا من سوق الشغل وهجرة للكفاءات والشباب، وهي مؤشرات تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية أكثر مما تعكس تعافيا فعليا للاقتصاد.