في اليوم العالمي للمتاحف: «متحف دار الجلّولي» بصفاقس يستغيث لإنقاذه قبل الانهيار!

عند الدخول إلى المتحف تصاحبنا رهبة جميلة أمام عظمة التاريخ ووقار الحضارة، وترافقنا رغبة فرحة في اكتشاف كنه الحكايا والأسرار والأساطير...

المتحف ليس مجرد مكان وعنوان بل هو ذاكرة الشعوب ومرآة الحضارات وهوية الإنسان في كل مكان. وقد تكون أروع الرحلات تلك التي تطرق أبواب المتاحف في مشارق الأرض ومغاربها من أجل معانقة متعة اقتفاء أثر الأسلاف في سالف العصر والأوان. واعترافا بمكانة المتاحف وقيمتها في حياة البشر، يحتفل العالم بالـيوم العالمي للمتاحف في الـ18 ماي من كل عام . لكن بأي عيد للمتاحف نحتفل وقد أجبرت الكورونا المتاحف على غلق أبوابها ؟ وهل يكون للاحتفال معنى ومتاحف تونس ليست بخير ؟

منذ عام 1977 أقرّ المجلس الدولي للمتاحف الاحتفال باليوم العالمي للمتاحف في الثامن عشر من كل سنة بهدف «إتاحة الفرصة للمختصين باﻟﻤتاحف من التواصل مع العامة وتنبيههم للتحديات التي تواجه اﻟﻤتاحف؛ تذكيرا بأهمية اﻟﻤتاحف كوسائط تستثمر من أجل تقوية الروابط الإنسانية؛ رفع وتعزيز وزيادة وعي العامة بدور اﻟﻤتاحف في تنمية اﻟﻤجتمع ؛ وإثراء الثقافة اﻟﻤُتحفية عن طريق توفير اﻟﻤتاحف العلمية وربط اﻟﻤناهج باﻟﻤتاحف العلمية والتاريخية».

منظومة مُتحفية مهترئة وأشغال ترميم معلّقة !
27 متحفا ومتاحف أثريّات منتشرة عبر البلاد التونسية، بعضها على عين الموقع حيث تمّ استخراج اللقى المعروضة، حسب معطيات وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية. ولئن كان متحف باردو بثروته الثمينة من الفسيفساء يتربع على عرش المتاحف في تونس ومتحف سوسة في مرتبة ثانية، فإن بقية المتاحف في مختلف ولايات الجمهورية تعاني من شح الإمكانات وقلة الموارد المالية والبشرية وتحتاج إلى عمليات تهيئة وترميم عاجلة بعد أن أغلق بعضها أبوابه في وجه زائريه منذ سنوات!

آخر مظاهر هذا التهميش والخطر الذي يلاحق منظومتنا المتحفية ويهدد باندثارها وتقويض بنيانها، الضرر الذي لحق «متحف دار الجلولي» بصفاقس حيث تصدّع جانب منه وبدأ في الانهيار المنذر بالكارثة!

في اليوم العالمي للمتاحف، يصارع المتحف الجهوي للفنون والتقاليد الشعبية « دار الجلولي» من أجل الاستمرار والبقاء حيث التقط المصوّر والموّثق في التراث والناشط في المجتمع المدني «زاهر كمّون» صورة مؤسفة للوضع المزري الذي أصبح عليه هذا المتحف الذي يؤرخ للعادات والتقاليد ونمط الحياة في صفاقس.

وعن سبب الأضرار التي لحقت متحف دار الجلولي ، أوضح زاهر كمون في تصريح لـ المغرب» بالقول: تحتل «دار الجلولي» التي يعود تشييدها إلى حدود القرن 17 أو 18 مكانة عريقة في تاريخ مدينة صفاقس حيث كانت مقرّ الحكم والقضاء في الولاية وكانت تسمّى « الدريبة» أي مقر سكن الحاكم الذي بدوره هو القاضي أو «القايد» حسب تعبير أهل الجهة. بعد الاستقلال، فقدت هذه الدار قيمتها حتى سعى السيد علي الزواري الذي كان هو المسؤول على التراث بجهة صفاقس إلى تحويلها إلى متحف للفنون والتقاليد الشعبية يختزل نمط الحياة في صفاقس الذي يجمع بين التاجر والفلاح والبّحار... وفي شهر أكتوبر من سنة 2019 تداعى جزء منها بالسقوط بسبب وجود تسرب في شبكة المياه سيما وأنّه يوجد في الدار بئر وماجلين، وما بين المعهد الوطني للتراث والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه والديوان الوطني للتطهير تشتتت المهام ورفض أي من الأطراف تحمّل المسؤولية !وفي جلسة مع وزير الشؤون الثقافية السابق محمد زين العابدين جمعت كل الأطراف المعنية إضافة إلى اللجنة المكلفة بإعداد ملف تسجيل صفاقس في قائمة التراث العالمي في شهر ديسمبر 2019 تم طرح موضوع متحف دار الجلولي وكان التعهد بضخ 80 ألف دينار لانطلاق أعمال الصيانة والترميم . ولكن إلى حدّ اليوم لازال المتحف مغلقا ولا شيء تغيّر ولا حياة لمن تنادي!». 

متاحف موصدة في عاصمة الثقافة العربية !
أنشئ متحف دار الجلّولي في دار من دور العائلات الثرية في القرن الثامن عشر، في قلب مدينة صفاقس العتيقة. وتتميز واجهة المنزل بتصميمها الكلاسيكي الذي اختصت به المساكن التونسيّة.والملاحظ أنّ دار الجلولي مبنية على طابقين. في هذه القاعات، وخاصة قاعات الطابق السفلي، أعيد تشكيل مشاهد من الحياة اليومية التقليدية في مدينة صفاقس، المطبوعة

بطابع الثنائية الحضرية– الريفية، ذلك أن سكانها يقضّون جانبا كبيرا من السنة في أجنّتهم (مفردها جنان) وقد كانت إلى عهد قريب تحيط بالمدينة.
ومتحف دار الجلولي هو ثالث متاحف مدينة صفاقس إلى جانب متحف القصبة والمتحف الأثري. إلا أن متحف القصبة هو الوحيد المفتوح للعموم حاليا بعد غلق المتحف الأثري مند 5 سنوات للترميم وكذلك غلق متحف دار الجلولي للصيانة دون أي تقدم في الأشغال وتحسين في البنى التحتية لهذه الكنوز الأثرية.
وبالرغم من أن صفاقس كانت إلى زمن قريب عاصمة للثقافة العربية لسنة 2016، فإن وضعية متاحفها ومعالمها بقيت كما هي بل وزادت تأزما وتراجعا ... مما قد يعيق التقدم في إعداد ملف مدينة صفاقس قصد تسجيلها في قائمة التراث العالمي لليونسكو !
في اليوم العالمي للمتاحف يعزّ علينا الاحتفال والمجموعة المتحفية في تونس تتخبّط في بحر من الأزمات والنقائص والكثير من المتاحف مغلقة الأبواب على غرار دار بن عبد الله والمتحف المسيحي ومتحف بلاريجيا ... والقائمة تطول. فهل يطول غلق المتاحف أكثر مما طال؟!

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا